مطبات

الكرة التونسية وكابوس الملاعب المهترئة

بشرى سعيّد |

مثّل مشكل الملاعب المهترئة أكبر عائق أمام تطوّر الكرة التونسية، وهو ما أثّر بدوره على

المشاركات الإفريقية للأندية التونسية. فباستثناء أربعة ملاعب، وهي ملعب رادس وملعب المنزه الاولمبي وملعب سوسة وملعب الطيّب المهيري بصفاقس، تعاني بقيّة الملاعب من سوء الصيانة ورداءة العشب الذي تمّ تغييره عديد المرّات في البعض منها.

وقد كشفت مباريات بطولات السنوات الأخيرة أنّ عديد الملاعب لا تعتبر صالحة لاحتضان مباريات الرابطة المحترفة الأولى مثل ملعب جرجيس وملعب حمام الأنف وملعب المرسى وغيرها من الملاعب.

بحثنا في أسباب رداءة هذه الملاعب وانعكاسات ذلك على مردود الأندية وعلى البطولة المحترفة بشكل عامّ.

وسؤالنا هنا كان لماذا تتواصل أزمة الملاعب رغم تأكيد عدّة إحصائيات على توفّر 200 ملعب معشّب تسهر عدّة هياكل متخصّصة على صيانتها كالبلديات ووزارة الشباب والرياضة ووزارة التجهيز ومديري الأحياء الرياضية بالنسبة للملاعب الأولمبية ؟

تضمّ الرابطة المحترفة الأولى 14 فريقا. إلّا أن حالة الملاعب الخاصة بهذه الفرق تدعو إلى القلق، خاصّة منها تلك التي شهدت أعمال صيانة في الموسم الماضي.

وتعدّ اللجان البلدية الرياضية المنبثقة عن المجلس البلدي أحد العناصر الأساسية المكلّفة بصيانة الملاعب والتأكد من صلاحيتها لاحتضان المباريات. ذلك أنّ الفصل 22 من قانون الهياكل الرياضية قد كلّفها بـ”متابعة تنفيذ مقرّرات المجلس الخاصة بمساعدة الجمعيات الرياضية بالمنطقة البلدية، وبتوفير الظروف الملائمة لنشاطها التربوي والرياضي، والسهر على متابعة صيانة المنشآت الرياضية التي تشرف عليها البلدية أو تشارك في تسييرها”.

هذا ما أكّده لنا المحامي لدى محكمة التعقيب وصاحب كتاب “المختصر في القانون الرياضي” الأستاذ “أحمد الورفلي”، حيث قال: “اللّجان البلدية للرياضة لها مهمّة رئيسية تتمثل في تنمية المنشآت الرياضية وصيانتها وتعهدها والإشراف على ظروف استغلالها من قبل الرياضيين والأندية والجامعات، بما يتبع ذلك من سداد للمعالم المادية من المستغلين ومتابعة استخلاص الغرامات في صورة الإضرار بالتجهيزات من قبل أنصار فريق معين أو لاعبيه أو مسيّريه”.

ويقول محدثّنا، في الإطار نفسه، إنّ البلديات مازالت تقوم بدور محوري في مسألة تنمية البنية التحتية الرياضية باعتبار أنه لا توجد في تونس أندية تملك ملاعب أو قاعات رياضية ما عدا بعض الرياضات القتالية مثل الكاراتيه والملاكمة.

بين البلديات والوزارات، لمن تؤول المسؤولية ؟

للتأكّد من مدى تطبيق الفصل 22 من قانون الهياكل الرياضية، اتّصلنا بمسؤول عن بلدية المنزه، تحفّظ عن نشر اسمه، أكّد لنا أن متابعة الملاعب مهمّة لا تقتصر على البلديات فقط فيما يخصّ الميزانية التي تعتبر مشتركة بين البلديات ووزارة شؤون الشباب والرياضة ووزارة التجهيز.

وقال “إنّ دورنا يكمن في متابعة أشغال الصيانة، بينما وزارتا الشباب والرياضة والتجهيز مكلّفتان بالقيام بالدراسات والبحوث التي تمكّن من معرفة الخصوصيات الطبيعية والاقتصادية لمختلف جهات البلاد، والعمل على إحكام آليات وأساليب التخطيط العمراني، وهما اللّتان تساهمان في جزء كبير من الميزانية المرصودة للغرض”

في السياق ذاته، أكّد مسؤول عن التوثيق بوزارة الشباب والرياضة، أنه منذ الاستقلال بلغ عدد الملاعب 200 ملعبا، ولكن التوزيع غير متوازن إذ تركّزت أغلب هذه المنشآت الرياضية على مستوى تونس العاصمة وبعض المدن الكبرى. وهذا ما يثقل كاهل كلّ من المجالس البلدية والإدارات الجهوية المعنية بالتكفّل بهذه المنشآت.

فالعاصمة مثلا، إلى جانب المركّب الرياضي برادس والحي الأولمبي بالمنزه، تتوفّر بها شبكة هامّة من المنشآت والبنية التحتية الرياضية تضم 49 ملعبا معشّبا منها 35 ملعبا معشّبا بعشب طبيعي و14 ملعبا بعشب اصطناعي.

وتحظى ولاية سوسة بسلسلة هامّة من المنشآت الرياضية تشتمل على 21 ملعبا، 11 منها عشب طبيعي و10 اصطناعي. في حين تعاني بقيّة الولايات من نقص هيكلي في عدد ونوعية البنية التحتية الرياضية، الأمر الذي يدعو إلى مزيد تكثيف جهود السلط المعنية لتوفير مستلزمات ترقى إلى المستوى الذي وصلت إليه البطولة التونسية خاصّة بعد المشاركة المشرفّة الأخيرة للمنتخب الوطني التونسي في كأس العالم روسيا 2018.

عقوبات ومخالفات تبقى حبرا على ورق

تستغل الأندية المحترفة المنشآت الرياضية العمومية بمقابل مالي يغطّي جزءا من مصاريف الصيانة. وهكذا فإنّ الأندية ترتبط بالأحياء الرياضية والمجالس البلدية برابطة تعاقدية تخضع إلى المبادئ العامة لعقد الكراء التي تقتضي خصوصا أن المكتري ملتزم بردّ العين المكتراة على الحالة التي استلمها عليها.

ويقول مسؤول من الحيّ الرياضي بالمنزه، إن هذه الملاعب المأجورة تختلف أرضياتها من مكان إلى آخر فبعضها يدخل في خانة الأرضيات الاصطناعية (الجيل الثاني والثالث والرابع) وبعضها الآخر في شكل أرضيات معشبة.

وقد لاحظنا محافظة بعض أصحاب هذه الملاعب على الأرضيات الصلبة التي تختلف من ملعب إلى آخر. فالملاعب المعشّبة مثلا تتطلّب صيانة دورية على عكس الأرضيات الاصطناعية، وهو ما يجعل الأرضيات المعشبة في حاجة إلى مختصّين في التعشيب.

وهذه الملاعب لا تختلف أرضياتها فحسب وإنما تشهد أيضا تفاوتا كبيرا على مستوى الأسعار حيث يحدّد أصحابها سعر المباراة من 60 ألف دينار ليصل في المباريات الكبرى إلى حدود 100 ألف دينار.

ومن المفروض أن يخصّص جزء كبير من هذه المداخيل، إضافة إلى مداخيل خلاص العقوبات لصيانة الملاعب تحت إشراف طاقم بلدي، ولكن يبقى هذا الأمر حبرا على ورق، إذ أنّ البلديات تواجه مشكلا كبيرا في إجبار الجمعيات على تحمّل مسؤولية مخالفتها للرابطة التعاقدية نظرا لما تسبّبه أحداث العنف من قبل جماهير الأندية من تكسير وتخريب للملاعب والمدرّجات.

وغالبا ما تنتهي المفاوضات بشأن دفع الغرامات المادية المنوطة بعهدة الجمعيات بتدخّل الجامعة التونسية لكرة القدم لإلغاء بعض منها نظرا لعدم القدرة على السداد.

وفي ظل كلّ هذه الانقسامات والفوضى التسييرية يبقى اللاعبون هم المتضرّرون الرئيسيون.

ماذا عن ‘’فيروس ‘’ الإصابات ؟

أضحت الحالة الكارثية لأغلب ملاعب فرق الرابطة المحترفة  الأولى تمثل “كابوسا” بالنسبة للمسؤولين وخاصّة المدرّبين نتيجة تعدّد الإصابات في صفوف اللاعبين بسبب “الحفر” الكثيرة في أرضيات هذه الملاعب.

يقول طبيب الترجي الرياضي التونسي “ياسين بن أحمد”: “أسباب الإصابة في الرباط الصليبي عديدة من بينها التكوين الضعيف في فئة الشباب الذي يؤدي لضعف العضلات واللعب العنيف لكن في تونس مرتبطة في أغلبها بأرضية الملاعب السيئة التي قد تتسبب للاعب في التواء بالركبة قد يؤدي لإصابته بقطع في الرباط الصليبي خاصة إذا كان تكوين عضلات الساق ضعيفا ولم يستعد بشكل جيد قبل انطلاق الموسم”.

وأضاف “بن أحمد” أنّ الإصابة “قد تؤثر على أداء اللاعب بسبب ابتعاده عن الملاعب لمدة طويلة قد تصل إلى ستّة أشهر لكن بإمكانه استعادة مستواه إذا خضع لإعادة تأهيل بشكل جيّد واتّبع تعليمات الطبيب ومدرب اللياقة”

خلال نحو عام واحد أصيب عدد كبير من لاعبي البطولة التونسية بهذه الإصابة منهم الكاميروني “يانيك نجانج” مهاجم الترجي السابق والجزائري “عبد المؤمن جابو” والظهير الأيسر “أسامة الحدادي” ثنائي الإفريقي السابقين والمدافع “رامي البدوي” ولاعب الوسط الغيني “الكليل بانجورا” من النجم الساحلي. كما تعرض “وجدي السعيداني” لاعب الصفاقسي والكاميروني “ويلفريد داه” مهاجم قوافل قفصة وهو من بوركينا فاسو و”أيمن الدرويش” مدافع البنزرتي للإصابة الخطيرة نفسها.

لاشكّ أنّ ملاعبنا التونسية تعاني من نقص هيكلي فادح يجعلها لا ترتقي إلى مستوى البطولة التونسية ممّا يطرح تحدّيات مستقبلية تفرض إحكام التخطيط وتوفّر الإرادة القويّة لتحقيق التغيير المطلوب، وهو أمر بقدر ماهو موكول للسلطات العمومية بالدرجة الأولى فإنه أيضا يقتضي انخراطا فاعلا في القطاع الخاّص من مستشهرين ومستثمرين وداعمين للرياضة التونسية.

مصدر الصورة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *