مطبات

تلاميذ المعاهد في فخ المخدرات

منوبة-الباساج :وائل نهيدي |

لعلّ الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية التي يتعرّض لها التونسيون في السنوات الأخيرة تجعل بعضهم يفكّر في اللجوء إلى تعاطي المخدرات كحلّ وقتي للهروب من واقع أليم، وهو ما يجعلهم يسقطون في فخ الإدمان. لكن لماذا ينساق تلاميذ المعاهد، وهم في عمر الزهور، إلى استهلاك هذه السموم؟ هل يعود ذلك إلى عوامل اجتماعية أواقتصادية أو نفسية؟

دقّ المعهد الوطني ناقوس الخطر عقب توصّله إلى نتائج تفيد بأن 31% من التلاميذ في تونس يتعاطون المخدرات سنة 2018 مقابل 26% سنة 2013.

عند الحديث عن استهلاك المواد المخدرة تتبادر إلى أذهاننا تلك الصورة التي نشاهدها في الأفلام السينمائية حول كيفية الحصول على البضاعة. لكن ما سيكشفه لنا محدثنا “وجيه” يجعل نظرتنا للأمور تتغير، فربّما الحصول على قرص مخدّر قد أصبح اليوم أسهل ألف مرّة من الحصول على علبة من الحليب.

“وجيه” ذو الواحد والعشرين ربيعا لا يزال يعيد الباكالوريا للمرّة الرابعة. تراه ينزل من سيّارته الفارهة ويصافح صديقه “أحمد” مصافحة تبدو في الظاهر عادية، ولكنّ هذه المصافحة كلفت “وجيه” 500 دينار، وانتهت المصافحة بتبادل ابتسامة عريضة بين الطرفين.

منتشيا، يعود “وجيه” ليركب سيارته بعد أن تسلّم بضاعة من نوع خاصّ لا يتجاوز حجمها كفّ اليد لكنّها باهظة الثمن.
يقول الشاب أن هذه الكمّية الكبيرة من مخدّر “الكوكا” ليست للاستهلاك الشخصي، بل سيقوم بتوزيعها على الحاضرين أثناء حفلة عيد ميلاد إحدى صديقاته في إحدى فيلات الضاحية الشمالية.

في تصريح صحفي أكد مدير مركز محمود يعقوب للإسعاف وطب ألاستعجالي الدكتور “نبيل بن صالح” وجود مخدّر “الكوكايين” وغيرها من الأنواع الخطيرة الأخرى. ويتبيّن من خلال الاحصائيات التي أجراها المركز أن عدد مستهلكي “الزطلة” في تونس يناهز المائتي ألف شخص لجميع الأعمار. أمّا عدد متعاطي الحبوب المخدّرة فيناهز 100 ألف شخصا وقدّر عدد متعاطي المخدّرات عن طريق الحقن بـ11 ألف مدمنا.

ينزل وجيه من سيارته بعد أن أخفى بضاعته بعناية ويدخل المعهد، ليؤكد لأصدقائه أن العملية تمّت بنجاح. وهذا ما اعتبرته أستاذته خرقا للقانون الداخلي للمعهد وتعطيلا لسير الدروس مطالبة تلميذها بالخروج فورا.
خرج الفتى ليواصل حديثه معنا لكنه اختار هذه المرّة أن يعبّر عن السبب الرئيسي الذي جعله يتعاطى المخدرات قائلا: “وضعيتي المادية يتمناها أيّ شاب في تونس، لكن ما يدفعني إلى تعاطي المخدرات هو الفراغ الذي أعيشه”. ويؤكد لنا أنّه منذ طفولته لم يحظى أبدا باهتمام والديه، يقولها بضحكة ساخرة “وفّروا لي كل شيء وحرموني من أهمّ شيء”.

وتأكيدا لما قاله “وجيه”، يرى الباحث في علم الاجتماع “معاذ بن نصير” أنّ التلاميذ ميسوري الحال رغم ما يتوفر لهم من إمكانيات فإن توقهم للمغامرة وغياب الوالدين بسبب خروج الأم للعمل يجعل التلميذ دون رقابة أو إحاطة من مدرسته الأولى وهي الأسرة.

ويبدو أنّ غياب الوالدين معا يمكن أن يدفع التلميذ إلى الانسياق وراء هذه الممارسات، لكن غياب أحد الطرفين لديه تأثير لا يقل أهمّية عن غيابهما معا. حيث هذا ما أكّدته لنا القيّم العام بأحد المعاهد الثانوية بولاية قابس “كافية عبد الصمد” التي تقول “إنّ غياب الوليّ وخاصة الأب وتولّي الأم دورا مزدوجا في تربية الطفل وعدم مسؤولية الأب يكون الدافع الأساسي والأقوى والأرجح لمثل هذه الممارسات الخطيرة التي يمكن أن تدمر حياة صاحبها”.

ذلك هو الحال بالنسبة إلى “أمير”، وهو تلميذ بإحدى المعاهد بالعاصمة، الذي تسبب طلاق والديه بانحرافه عن الطريق السويّ وانزلاقه نحو تعاطي المخدرات. لكن يختلف هنا الأمر عن حالة “وجيه”، ف”أمير” يعاني وضعية اقتصادية صعبة يرى أن والده هو “المتسبب الأوّل فيها” على حد تعبيره، أمّا والدته “سهى”، التي تعمل معينة منزلية، فتقول أن الظروف التي مرّ بها ابنها لا يحسد عليها فقد كان زوجها يعنفها على مرأى ومسمع منه قبل أن يهجرها منذ سنتين.

بين ما يتعاطاه “وجيه” وذلك الذي يتعاطاه “أمير” حرف واحد وهو “اللاّم” ف”الكوكا” التي هي حكر على الطبقة الراقية بسبب غلاء ثمنها تصبح “كولا” عند ضعفاء الحال. وكانت بداية “أمير” مع “الكولا” عندما رأى زمرة من رفاقه يتقاسمونها تحت أسوار المعهد.

وعند سؤاله عن رقابة الإطار التربوي يجيب “هم لا يكترثون لنا داخل المعهد، صراخ دائم دون حتّى أن نقترف جرما لنحاسب عليه “.

وتعتبر “كافية” القيّم العام بمعهد في ولاية قابس أنّ الإطار التربوي من أساتذة وقيمين لا يتفطّنون لمثل هذه الأمور وهي تقع خارج أسوار المدارس الإعدادية أو المعاهد الثانوية وتوكل مهمّة المراقبة هنا للأمن “ولا دخل لنا نحن فمهمّتنا تقتصر على المراقبة والمرافقة داخل المؤسسة التربوية”.

وليس ببعيد عمّا يعيشه الشباب في المعاهد وهم الأكثر نضجا، نجد أن تلاميذ المراحل الإعدادية لم تستثنهم هذه الظاهرة. إذ تقول السيدة “عفافّ أنّ ابنها كان دائما من بين الأوائل في المدرسة الابتدائية، لكنه بعد سنة واحدة من دخوله المدرسة الإعدادية، “أصبح شخصا آخر، ليس “أيهم” الذي ربّيته” على حد قولها، فقد أصبح “أيهم” يتغيب كثيرا عن الفصول الدراسية مما جعله يرسب. وفي شرحها لأسباب هذا العزوف عن الدراسة رأت أنّ ابنها قد تمّ استدراجه داخل مجموعة من “الفاشلين” دراسيا الذين يتعاطون المخدّرات بمختلف أنواعها. وتقول الأمّ “عفاف” التي قامت بتغيير مسكنها بعد أن علمت بما حصل مع ابنها “هربت بولدي” وهو الآن قد عاد إلى نتائجه المعهودة.

وتعتبر رئيسة فرع جمعية ساندني للإحاطة بالمدمنين وفاقدي السند “سلاف الفريضي” أنّ المحيط الجديد الذي يتعرّف عليه المراهق ويحاول التأقلم معه يفرض عليه في بعض الأحيان ممارسات لا يعلم مدى خطورتها، فحبّ الإطّلاع يدفعه نحو تجربة تعاطي المخدّرات ومن هنا تبدأ رحلته مع هذه السموم.

ويؤكد الباحث في علم الاجتماع “معاذ بن نصير” أنّ ضعف شخصية التلميذ ودخوله في عالم المراهقين وتوقه إلى إثبات وجوده يجعلانه مجبرا على اكتساب السلوك الجمعي، ويجد التمثّلات الاجتماعية في المدرسة الإعدادية أو المعهد أهمّ من التمثلات الاجتماعية في الأسرة.
ربّما تكون الضغوط الاجتماعية والنفسية عاملا رئيسيا يدفع التلاميذ إلى تعاطي المخدرات لكن محدثتنا الأستاذة “آية” وهي حاصلة على الماجستير في الحضارة العربية تقول إنّها درّست في أوساط شعبية، ونظرا لصغر سنّها كان التلاميذ يتقرّبون منها ويشتكون لها أوضاعهم الاقتصادية الصعبة، وفيهم من كان يصارحها بأنه يتعاطى المخدّرات بسبب الظروف التي يعيشها. وقد أكّدت لنا أن هناك فتيات يتعاطين أنواعا مختلفة من المخدّرات لأسباب تتعلق بالمراهقة أساسا.

ويحدثنا “أمان الله” أنّ “لا أمان اقتصاديا في تونس”، فالوضعية الاقتصادية الهشة للبلاد من خلال تنامي نسب البطالة و الفقر والتهميش كلّها عوامل تجعله “يلجأ إلى المخدّرات كي ينسى أنه لا مستقبل أمامه”. هكذا عبّر أمان الله رغم حداثة سنّه وهو الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة، فمع انسداد آفاق التشغيل يرى أمان الله أنّ “الدراسة لن تغير الواقع” ويفضل الهروب نحو المخدرات لأن هذا الواقع المتأزم يدفعه إلى ذلك.

“أمان الله” يعلم تماما أنّ ما يفعله خاطئ، لكن لا حلّ أمامه في ظل ما تعيشه البلاد والظروف المعيشية الصعبة التي تعاني منها عائلته. فوالده عامل يومي أمّا أمّه فتقوم بجمع القوارير البلاستيكية لتجمع له المال من أجل أن يستطيع مواصلة دراسته دون أن ينقصه شيء.

يقول الفتى “أنا أحلم دائما بأن أترك هذه العادة لكن المعاناة التي أراها في عيني والدتي تجعلني أستمرّ في هذا الطريق ”
يبدو أن تعدّد أسباب معضلة تعاطي المخدرات من قبل التلاميذ يجعل هذه الظاهرة في تفاقم مستمرّ. فقد دقّ المعهد الوطني ناقوس الخطر عقب توصّله إلى نتائج تفيد بأن 31% من التلاميذ في تونس يتعاطون المخدرات سنة 2018 مقابل 26% سنة 2013.

وأمام ارتفاع النسب وازدياد الخطر، وجب الإسراع بوضع استراتيجية وطنية للقضاء على هذه الآفة التي تهدّد زهور بلادنا وعماد نهضتها وتهدّد جيلا بأكمله.

مصدر الصورة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *