أشغال

شمس الدين مرزوق” راعي مقبرة الغرباء بجرجيس :”نعمة الأرض من نقمة البحر”

الباساج-مدنين: نعيمة خليصة

 على أنقاض مصب للفضلات خارج مدينة جرجيس، عمل البحار الكهل شمس الدين مرزوق على إعادة تهيئة الفضاء لدفن جثث دون هوية  لفظتها أمواج البحر على سواحل مدينته من ولاية مدنين. عمل بات اليوم  جزءا هاما في حياته اليومية  وواجبا إنسانيا يؤديه طواعية جزاء ولا شكور لرد الاعتبار لأناس أكلهم البحر.

 

ككل صباح، يتوجه شمس الدين مرزوق إلى مقبرة الغرباء البعيدة عن وسط المدينة 7 كلم.  هناك، بين ثنايا طريق صحراوي قاحل،  توجد هذه المقبرة الغريبة المسيجة بأشجار السرول أين يرقد نحو 400 شخص من إناث وذكور وحتى أطفال جميعهم دون هوية ودون جسد كامل.

منذ 8 سنوات، ومرزوق يعتني بالنائمين تحت تراب تونس داخل مقبرة قدمتها البلدية لدفن جثث رحلت مثقلة بالأحزان. هو تونسي أصيل معتمدية جرجيس من ولاية مدنين يبلغ من   العمر 53 سنة  يعمل بحارا في بعض المرات ومرمما للإنسانية الموؤودة في أحيان كثيرة.

انخرط مرزوق في هذا العمل الإنساني منذ 12 سنة  لدعم مجهودات الدولة ويصل به الوضع أحيانا أن يصرف من ماله الخاص يقول

” كنا ندفن الجثث جميعا في أي مكان وهو لا يليق بتونس الديمقراطية بعد 2011″
. بشكل مفاجئ، وجد نفسه يعمل على دفن جثث المهاجرين من جنسيات مختلفة تلقائيا. ذات يوم صادف فيه ثلاث جثث لمهاجرين.  رغم قلة الإمكانيات لم يتوان  مرزوق للحظة عن معاضدة مهام الحرس البحري والبلدية والمصالح  الصحية، حيث يخرج معهم ويقوم بجمع جثث المهاجرين وينقلها على متن سيارة خاصة تابعة لرئيس الفرع الجهوي للهلال الأحمر وضعها هذا الأخير رهن  إشارته
” من غير اللائق رفع الجثث في شاحنات الفضلات فهو إنسان ويكفيه ما عاناه من ظلم في بلده الأم ثم في ليبيا.”

مقبرة ووردة

لأنه يدرك جيدا حجم المسؤولية وثقلها على كاهل الدولة التونسية أمام أزمة المهاجرين التي بدأت أولى مؤشراتها في 2011، وبعدها تعمقت بفرار الآلاف منهم من ليبيا أثناء الحرب الأهلية هناك ليدخلوا التراب التونسي،  يتجند مرزوق بالعمل بدء بمخيم المهاجرين بالشوشة ببن قردان ليضع نفسه لاحقا على ذمة المهاجرين غير النظاميين  ممن رست بهم الاقدار على سواحل الجنوب التونسي.

ترحل الذاكرة بشمس الدين إلى السنوات التي مرت وهو يصارع ليلا ونهارا لدفن الجثث بعد إتمام الإجراءات القانونية في ذلك.  يتوقف للحظة ليتذكر طفليه اللذين غادرا تونس نحو إيطاليا عبر البحر ويعتقد أن وصولهما بسلام سببه مباركة أرواح هؤلاء “الغرباء” كما وصفهم رغم معارضته هذا الشكل من الهجرة لكونها محفوفة بالمخاطر ونهايتها أليمة.

بلغ عدد الموتى في البحر لسنة 2018، 2226 شخصا وفق إحصائيات الهيئة الجهوية للهلال الأحمر بمدنين، وفسر ذلك بفرارهم من ليبيا بعد تعذيبهم واستغلالهم من قبل الميليشيات

إطار” وضع الهلال الأحمر بمدنين رفقة شريكه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين مبيتين لإيواء المهاجرين غير النظاميين واللاجئين وأعدوا لاستقبالهم أطباء نفسانيين لمساعدتهم على التخلص من أرق الأوجاع التي تحملها أفكارهم”٫ يذكر جيدا شمس الدين مرزوق جثة “روزا مالي” الفتاة النيجيرية التي وافتها المنية في البحر عن عمر 28 سنة على مرأى رفاقها. روزا هي الجثة الوحيدة في مقبرة الغرباء التي تحمل جسدا كاملا وهوية واضحة، هي تلخص معاناة 125 ‘فريقيا كانوا معها هربوا من الموت تحت التعذيب بعد استغلالهم جنسيا وبدنيا ووضعوا قسرا على متن قارب مطاطي مضغوط بالهواء الساخن ثم تركوا لوحدهم في عرض البحر وفق روايات وثقتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والحرس البحري بالجهة فيما لخص مرزوق حال الباحثين عن الأمان في جملة” حياتهم رهينة الحظ إما أن تنقذهم بواخر المنظمات الإنسانية أو العائمة البحرية لجيش البحر أو الهلاك”. وبالعودة إلى سنوات العمل بعد الثورة، كانت جثث عائلة سورية من أصعب المشاهد المأساوية الراسخة في ذاكرة مرزوق، شدت الأم وثاق طفلتها الأولى إلى بطنها وربطت الثانية بقطعة قماش على لوحة خشبية فأبتلعهن البحر٫ هذه الذاكرة التي مازلت تحتفظ بكل تفاصيل الإنساني من ذلك المشاركة في دفن 53 سوريا غرقوا في المتوسط ورماهم البحر بميناء الكتف ببن قردان. إنسان….خزّان للأحزان لا يخفي مرزوق حزنه عندما يأوي إلى فراشه يبقى لوحده يصارع تلك الأفكار التي تنتابه عند كل عملية دفن. يفكر هل تعلم عائلته أنه مات ولم يبق منه غير الساق؟ أتظنها تنتظر إتصالا هاتفيا منه؟ ماهي اخر كلماتهم؟ وأسئلة أخرى رحلوا بأجابتها. يعتقد ان تونس اليوم مطالبة بإحداث بنك للجينات فهو جزء لحفظ كرامة الجثث الغاية منه بنظره هو ترك فرصة لذوويهم لنقل رفاتهم إن رغبوا في ذلك وأيضا لوضع أسمائهم على مقابرهم. مطلب دعا إليه الهلال الأحمر منذ فترة ربما يرى النور لاحقا عند إحداث المقبرة الجديدة بجرجيس التي أختار لها المتدخلون في عملية الدفن ” حديقة إفريقيا Le jardin d Afrique”. مهمة شمس الدين، او “محب الإنسانية” كما يسميه البعض من أصدقائه لا تقتصر على جمع الجثث أو ما تبقى من أجزائها ثم الحفر ودفنها وإنما تجاوزت ذلك الى وضع الورود على المقابر وسقيها ولم ينس الأطفال الذين يكرمهم بلعب يغرسها فوق تراب. في هذا العمل، يشعر شمس الدين بالطمأنينة وبالفرح كما لاحظناه ونحن نتجول معه بين القبور نتمعن حجم المعاناة التي أخذتها كل ضحية معها لترويها لله في يوم الآخرة.

نعيمة خليصة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *