ممنوع

قانون الإحتفاظ في تونس: عندما توأد الحقوق في مراكز البحث

بقلم: الواثق بالله شاكير

صدر القانون عدد 5 في فيفري 2016 ودخل حيّز النّفاذ فب جوان من نفس السّنة وينصّ على خمسة حقوق أساسية يتمتّع بها الموقوف أو المحتفظ به وهي الحقّ في حضور محامي قبل انطلاق البحث وضرورة الاستظهار بإذن قضائي عند الايقاف والحقّ في إعلام إحد أفراد العائلة أو أيّ شخص يختاره الموقوف إضاقة إلى الحقّ في العرض على الفحص الطّبّي وتحديد مدّة الإحتفاظ ب48 ساعى ة على أقصى التقدير قابلة للتمديد مرّة واحدة.

في الوقت الذي يسن فيه المشرّع التونسي جملة من القوانين الرائدة في مجال حقوق الإنسان على غرار القانون عدد 5 لسنة 2016 المتعلق بتنقيح وإتمام بعض أحكام مجلّة الإجراءات الجزائية، تتواصل عملية مصادرة هذه الحقوق إمّا لغياب الوعي بها وإما للتهاون في تطبيقها أو لصعوبات لوجستية أو ربّما، كذلك، لوجود ثغرات في النص تحول دون احترام الإجراءات على الوجه الأكمل.

22 بالمائة فقط من الموقوفين بين أفريل 2017 و2018 مارسوا حقّهم في الاتّصال بمحام حسب آخر تقرير لوزارة الداخلية التونسية. رقم اعتبرته المنظمات الحقوقية الدولية ضعيف جدا،ّ لكنه غير مستغرب سيّما إذا علمنا أنّ 7 بالمائة فقط من الشبّان التونسيين مطّلعون عن هذا القانون الذي دخل حيّز النفاذ منذ أكثر من عامين.

القانون لا يحمي الغافلين

ولعلّ من أهمّ الأسباب، التي تحول دون تطبيق فعّال وناجع للقانون، عدم الدراية الكافية أو الجهل به من قبل المواطنين والأمنيين على حد سواء.
ف”سيف”، شاب عشريني، تعرّض للضرب المبرح في أحد المراكز الأمنية بالعاصمة بعد إيقافه مع مجموعة من الجماهير الرياضية إثر مبارة لكرة القدم وأطلق سراحه بعد ساعات من الإيقاف أو “الإحتجاز”، حسب تعبيره، ليتوجه مباشرة إلى المستشفى لتلقّي العلاج بعد الضرر الذي طال مناطق مختلفة من جسده الهزيل أثناء عملية الاحتفاظ.

يقول الشابّ:”انهال علي حوالي عشرة أعوان بالهروات وأنا طريح الأرض غارق في الدماء … تركوني بعد أن فقدت الوعي وانصرفوا إلى بقية أفراد المجموعة وفي ساعة متأخرة من ليل اليوم الموالي أطلقوا سراحنا”.
وبالنسبة للحقوق التي نصّ عليها هذا القانون المتعلّقة بالمشتبه فيه من إذن مكتوب بالايقاف والعرض على الطبيب والحق في حضور المحامي وإعلام أحد أفراد العائلة وغيرها فإن سيف وبقية أفراد المجموعة الذين تم إيقافهم لا يعلمون شيئا عنها.  ووفقا لشهادتهم لم يمكنهم رجال الأمن من أي حق من هذه الحقوق الخمسة.
“سيف” مثال للكثير من الأفراد الذين قد يتعرضون يوميا للايقاف والاحتفاظ بهم ويكونون عرضة للهرسلة و التعنيف فقط لأنهم يجهلون حقوقهم التي ينص عليها القانون بغض النظر عن الفعل المرتكب.

وفي هذا السياق، يقول الأستاذ المحامي “بشير الكتيتي” إنّ مئات القضايا والانتهاكات يتعرّض لها الأبرياء لأنهم اقترفوا الذنب الأكبر تجاه القانون وهو الجهل به والقانون لا يحمي المغفلين.

حق تصادره الشرطة
ولا يقتصر الجهل بالقانون على المواطنين فحسب، إنما يشمل كذلك أعوان الضابطة العدلية أحيانا وأفراد النيابة العمومية الذين قد يخرقون القانون لقلة درايتهم بإجراءاته الكاملة فيخرقونه منذ اللحظة الأولى للإحتفظ وهو ما أشارت إليه منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الأخير في صائفة سنة 2018والمتعلقبمدى تطبيق القانون عدد5 في مراكز الأمن التونسية حيث تحدثت عن نسبة تفوق  73 بالمائة من الموقوفين الذين قابلتهم، صرحوا أن الشرطة لم تعلمهم بحقهم في الاتصال بمحامي أو منعتهم من ذلك رغم طلبهم الصريح باستشارة محام قبل انطلاق عملية البحث وهو ما أكّده طلال شاب في الثلاثينات والذي كانت له سوابق عدلية قبل 2016 وبعدها أي قبل صدور هذا القانون وبعده ويقول محدثنا:”عملية البحث تنطلق منذ صعودك سيارة الأمن إذ تنهال عليك الصفعات من كل الجهات ويبادرك كل عون بالتّهديد والإهانة ودون أن تعلم الشبهة التي تم إيقافك من أجلها ودون الاستظهار بالإذن المكتوب لعملية الإيقاف … وهذا ما يحدث منذ سنوات طويلة ويتواصل حتى بعد صدور هذا القانون ناهيك عن بقية الخروقات داخل المراكز والكلّ يعلم البقية …”. وهو ما يتعارض تماما مع ما نصّ عليه قانون اللإيقاف الجديد الذي يمنع مثل هذه السّلوكات التي قد يرتكبها بعض أعوان الضابطة العدلية على غرار استنطاق المشتبه فيه في سيارة الأمن وتهديده وغير ذلك.

وفي رصدها للخروقات المتعلقة بتطبيق قانون الاحتفاظ داخل المراكز أوردت هيومن رايتس ووتش في تقريرها أن مايزيد عن 73 بالمائة من الموقوفين الذين قابلتهم في فترة إنجاز التقرير صرّحوا أنّ الشّرطة لم تعلمهم بحقّهم فب الاتّصال بمحامي أو منعتهم من ذلك رغم طلبهم الصّريح بالتّشاور مع محام قبل عملية البحث وهو ما ينصّ عليه قانون فيفري لسنة 2016 الذي يصفه الحقوقيون بقانون “حضور المحامي” لما يكتسيه ذلك من أهمية كبرى لضمان حقوق المضنون فيهم وكذلك أعوان الأمن.

من جهتها تحدثت وزارة الداخلية عن عدد 5340 فقط من المحتفظ بهم قد مارسوا حقهم القانوني في الاتصال بمحام من جملة 24363 محتفظا به شملهم الاستبيان وهي نسبة ضعيفة بحسب الحقوقيين تعكس إلى حد كبير “تهاون أعوان الأمن في أداء واجبهم” في إعلام المشتبه به وتمكينه من حقه الإلزامي في حضور محام في الجنايات وإختياره ذلك في الجنح.
وفي هذه المسألة يقول المحامي وعضو الهيئة الوطنية للمحامين الأستاذ ذاكر العلوي:” أن البشر إذا منحوا صلاحيات سيسعون إلى الانحراف بها كذلك هو الشأن بالنسبة لأعوان الضابطة العدلية وأعوان النيابة العمومية الذين قد يتهاونون في تطبيق هذا القانون وقد يصل هذا التجاوز حد إجبار المشتبه به على التوقيع عن تنازله عن طلب حضور المحامي ضنا منهم أنهم سيستعجلون افتكاك الاعترافات التي ليست سوى إحدى الأدلة التي ستعتمد في المحاكمة”.

أما المنظمات الحقوقية الدّولية الأخرى على غرار محامون بلا حدود التي تعمل على التّوعية بضرورة تطببق فعّال للقوانين احتراما لحقوق الإنسان أنّ مثل هذه التّجاوزات قد تكون العائق الكبير أمام الوصول إلة الحقيقة وضمان سيرورة قانونية لعملية البحث الذّي يعتبر المرحلة الأولى للوصول إلى دليل البراءة أو الإدانة لذا وجب إيلاءها العناية القصوى لتجنب الوقوع في خروقات عادة ما يتعرّض لها الموقوفون وهو ما يتعارض  مع الحقوق الأساسية للأفراد بغضّ النظر عمّا يمكن أن يقترفوه من أفعال.

 

“قانون على الورق”

في السياق ذاته، تحدّث الشاب “عزيز” ذو العشرين عاما عن تجربة إيقافة في أواخر سنة 2016 أي بعد أشهر من دخول القانون عدد 5 حيز التّنفيذ بشهبة استهلاك مادّة مخدّرة وأكّد أن رجال الشّرطة أوقفوه دون إظهار أيّ إذن مكتوب ودون حيازة محجوز لديه ويشبرعزيز إلى أنّ الخروقات تواصلت داخل مركز الأمن أين تمت عملية استنطاقه بسرعة قثصوى ودون تمكينه من الاتّصال بعائلته أو حضور محامي وفي المقابل كان يتلقى تطمينات بخصوص إعلام العائلة ودفعه إلى التوقيع على تنازل عن حقّه في حضور المحامي ليضطرّ بعد ذلك إلى التّوقيع على محضر البحث “خوفا من بطش الأمنيين” الذين أوردوا إعتراقات لم يدل بها على حدّ تعبيره ويذكر الشّاب أنّه لم يتمكّن من مقابلة المحامي ولقاء عائلته إلاّ بعد أكثر من 24 ساعة وبعد نقله إلى مركز الإيقاف ببوشوشة. وهذا مثال حيّ لجملة التّجاوزات التي أشارت إليها تقارير المنظّمات الحقوقية والتي يرتكبها أعوان الضّابطة العدلية بغضّ النّظر عن القصد من عدمه في ذلك ويقول عزيز بعد تنهّده :”مازلنا نعيش داخل جولة البوليس، لو طالبت بحقوقي كاملة وتمسّكت بموقفي وحقّي في الصّمت لتعرّضت لشتى أنواع التعنيف والإهانة… لا يجب أن تغرينا ترسانة الحقوق الجديدة فهي ليست سوى حبر على ورق … “.

وبدورها أشارت المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب إلى أن 60 حالة تعذيب تم رصدها داخل مراكز الاحتفاظ منذ سنة 2017 أي بعد سنة من صدور القانون ودخوله حيز النفاذ وهو ما يؤكد التهاون والتجاوزات التي يشهدها تطبيق هذا القانون من قبل أعوان الأمن الذين يشتكون بدورهم عدة صعوبات وعراقيل لوجستية تحول دون تطبيقهم لإجراءات قانون الإيقاف الجديد على الوجه الأكمل.

مجموعة من المشكلات تعترض رجل الأمن لتحول دون تطبيق القانون الذي يعتبره النقابي الأمني أنيس السعدي قانونا متطورا جدا مقارنة بالإمكانيات البشرية واللوجستية والمالية للوزارة ويقول في هذا السياق:” لا يمكن أن ننكر وجود صعوبات عدة في تطبيق هذا القانون وهي صعوبات لوجستية ومادية بالأساس وتكوينية كذلك إذ يحتاج الأمنيون إلى دورات تدريبية حتى يتأقلموا مع مقتضيات هذا القانون الجديد. ناهيك أن معظم المراكز تفتقر للتجهيزات الضرورية التي تمكن المحامي على سبيل المثال من مقابلة موكله على غرار الخلوة”.
وأشار الأمني إلى مشكل آخر يتعلق بالبعد الجغرافي للمراكز الحدودية والداخلية عن مراكز المدن أين يتواجد المحامون ما يستغرق وقتا طويلا لوصولهم إلى مراكز الأمن وبالتّالي يخرق القانون في مراحل البحث الأولى وهذا يتجاوز أعوان الأمن وصلاحياتهم.

وقد أكّد عضو الهيئة الوطنية للمحامين الأستاذ ذاكر العلوي وجود هذه المشكلة اللّوجستية التي تعرقل عملهم مشيرا إلى أنّه باستثناء بعض المراكز النّموذجية الموجودة في بعض الجهات فإنّ أغلب المراكز من شمال البلاد إلى جنوبها تفتقر للإمكانيات الضرورية لتطبيق مقتضيات القانون مركّزا بالأساس على غياب الخلوات وبعد بعض المراكز عن مكاتب المحامين إضافة إلى غياب الاستمرار بالنسبة لوكالة الجمهورية ولعلّ هذه العوامل تفسر ضعف حضور المحامين أثناء عملية البحث خاصّة في الجنح التي يترك فيها القانوت حريّة طلب التّسخير للمشتبه فيهلتبلغ 19 بالمائة فقط من حالات الاحتفا حسي هيومن رايتس ووتش.
ويبدو أن المشّرع قد سها عن بعض النّقاط، ما جعل القانون بلغة أهل الاختصاص يسكت في كثير من الأحيان، وهو ما يفتح باب التأويل وسوء الفهم والاجتهاد الشيء الذي دفع جمعية القضاة التونسيين إلى إصدار بيان حوصلت فيه مختلف الثغرات الواردة في النص والتي قد تكون عائقا كبيرا أمام تطبيق مختلف إجراءات القانون.
ومن بين هذه الثغرات التخفيض من مدّة الاحتفاظ في المخالفات إلى 24 ساعة دون إيجاد الحلول لحالات الاحتفاظ التي تتمّ في آخر الأسبوع (يوم الجمعة مثلا) والتي يتذّر فيها إحالة المشتبه فيه على المحكمة بعد انقضاء 24 ساعة ممّا يستوجب حتما الافراج عنه دون عرضه على النيابة العمومية وفقا لنصّ القانون. كذلك أشار البيان إلى صعوبة الإذن بالاحتفاظ بأي وسيلة تترك أثرا مكتوبا خارج أوقات العمل بمقرات المحاك وغير ذلك من الثغرات التي تعتبرها جمعية القضاة ماسّة جوهريا بالحقوق والحريات وقد تكون سببا في الحدّ من جدوى النّصّ الجديد في حماية حق المشتبه به.
وقد أشارت منظّمة “هيومن رايتس ووتش” بدورها إلى جملة الهنات الواردة في النّص مثل عدم التنصيص على حدّ أدنى محدد للاشتباه في ارتكاب جريمة للشروع في التفتيش والاعتقال، إذ منحت المجلّة أعوان الشرطة العدلية الحقّ في إيقاف أي شخص إذا رأت ذلك ضروريا لمقتضيات البحث وكذلك عدم تحديد مدّة زمنية يجب على الشرطي احترامها بين إعلام المحامي والشروع في الاستجواب وذلك على عكس عديد الدول التي لها أنظمة قضائية شبيهة بالنّظام التونسي على غرار فرنسا إذ يحدّد القانون هذه المدّة والمقدّرة بساعتين.

كلّ هذه الأسباب وغيرها قد تكون حائلا دون تطبيق ناجع لمقتضيات هذا القانون “الثورة” في العدالة التونسية. لذلك ندعو الجهات المتدخّلة في المنظومة الحقوقية والعدلية إلى مراجعة النصّ وتوعية المواطنين بحقوقهم ومراقبة التجاوزات حتى لا يصادر هذا القانون وتوأد الحقوق في مراكز البحث وتغلق الملفّات دون الوصول إلى الحقيقة.

مصدر الصورة

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *