حركية

الاجراء الحدودي S17 :

ممنوعون من السفر حتى اشعار آخر .. رغم الحكم بعدم شرعيته

تحقيق فخر الدين بن مالك |

بمناسبة مناقشة ميزانية وزارته لسنة 2019 أمام مجلس نواب الشعب، أعلن وزير الداخلية هشام الفوراتي يوم الثلاثاء 27 نوفمبر 2018 عن التخلي عن اعتماد الاجراء الحدودي بين المدن التونسية مع حصر اعتماد العمل بهذا الاجراء عند المنافذ الحدودية، مشيرا إلى أن الوزارة ستفتح باب المقترحات أمام منظمات المجتمع المدني لمناقشة الموضوع.

قرار جاء بالتزامن مع إصدار المحكمة الابتدائية بتونس حُكمًا يَقضِي بإلغاء العمل بقرار وزير الداخلية القاضي بإخضاعِ عددٍ مِن المواطنين لإجراءات حدودية، وذلك لعدم وجود سند قانوني.

ويتمثل الاجراء الحدودي الذي بات يعرف بـ ‘’S17’’في منع مواطنين تتعلق بذمتهم شبهات الانتماء إلى تنظيمات إرهابية أو تبييض الأموال من مغادرة التراب التونسي أو حتى من السفر من ولاية إلى أخرى داخل تونس. لكن مرصد الحقوق والحريات بتونس يعتبر أن وزارة الداخلية أخضعت مواطنين لهذا الاجراء دون موجب حق. في حين تعرّف وزارة الإشراف بأنه اجراء أمني وقائي وتحفظي يتعلّق بطبيعته بحالة الطوارئ والحرب على الإرهاب.

إجراء وقائي ضمن إستراتيجية مكافحة الإرهاب

وفي ردودها على المحكمة الإدارية، تستند وزارة الداخلية لتبرير استخدامها لهذا الإجراء الإداري إلى وجود «استراتيجية وقائية وطنية لمكافحة الإرهاب» وإلى سلطتها التقديرية التي تخوّل لها مراقبة جولان الأشخاص بكامل تراب الجمهورية ومنها الحدود الترابية والبحرية ومباشرة الشرطة الجوية وذلك عملا بأحكام الفصل 4 (مطّة 3) من الأمر عدد 342 لسنة 1975 المؤرّخ في 30 ماي 1975.

ولا تعتبر منظمة العفو الدولية، في تقريرها حول الموضوع، أن اجراءات مراقبة الحدود أوامر حظر سفر صريحة، “حيث أن الأشخاص الخاضعين لها لا يُمنعون بالضرورة من السفر. لكن عمليا كان الاجراء الحدودي في بعض الأحيان بمثابة حظر سفر بحكم الواقع.”

وتشير أرقام دراسة قامت بها شبكة الملاحظ للعدالة الانتقالية، التي تضمّ الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان ومنظمة محامون بلا حدود، أنّ حوالي 100 ألف مواطن تونسي يخضعون لهذا الإجراء.

وفي غياب الأرقام الرسمية، شكّكت وزارة الداخلية التونسية في هذا الرقم واصفة إيّاه بـ”المضخّم” دون تقديم أي معطى أو معلومة حول عدد المواطنين الذين يشملهم هذا القرار إذا ما اعتبرنا أنّ أقوال وزير الداخلية السابق لطفي براهم أمام لجنة الأمن والدفاع الذي صرّح بأنّ أكثر من 29 ألف و450 تونسيا تمّ منعهم من السّفر تجنّبا لاستقطابهم في الخارج وتوجيههم نحو بؤر التوتّر، دون أن يذكر صراحة أن ذلك تم باستخدام الإجراء المذكور.

وتفيد تقارير منظمة العفو الدولية أن هذا الإجراء وقع تطبيقه مع مواطنين عاديين دون أن يكونوا ملتزمين دينيا إضافة إلى صحافيين ومدونين وحقوقيين وبعض من المتمتعين بالعفو التشريعي العام.

وفي هذا الإطار، تأتي قصة خولة بن حمزة الصحفية بموقع الكتروني التي أعلمها عون ديواني بمطار تونس قرطاج شهر سبتمبر 2018 بأنها ممنوعة من السفر وفقا لأحكام الإجراء الحدودي دون تقديم أي معطى حول الأسباب أو عن طريقة التعامل مع الموضوع، الأمر الذي جعلها تعود أدراجها بعد أن دفعت تكاليف استخراج تأشيرة السفر وثمن التذكرة.

وتشير خولة بن حمزة إلى أن هذا القرار مثّل لها صدمة حقيقية، سيّما أنّ مظهرها الخارجي لا يوحي بأنّها متديّنة فهي لا ترتدي الحجاب وتعيش حياة عادية وليس لها أية علاقة بالجماعات المتطرفة كما ليس لها سوابق عدلية على حدّ قولها.

وقد عبّرت محدّثتنا عن ثقتها في القضاء التونسي بعد أن اعترضت لديه قصد استئناف حكم منعها من السفر.

في ذات السياق، أفادت النائبة عن حركة النهضة يمينة الزغلامي المطلعة على الموضوع، أن تطبيق هذا الاجراء يتعارض مع ما جاءت به الثورة التونسية إذ يفرض هذا القرار الاقامة الجبرية على مواطنين دون موجب حق أو دون توفر أدنى دليل حول إدانتهم داعية إلى ضرورة التمييز بين المواطنين العاديين والإرهابيين.

وقد تدخلّت يمينة الزغلامي في شهر أكتوبر الماضي من أجل عدم تطبيق الاجراء على شاب تونسي مُنع من السفر من قبل أعوان مطار تونس قرطاج بتهمة السفر إلى بؤر التوتر، الأمر الذي استدعى تنقّل النائبة على عين المكان من أجل تمكين الشاب من حقه الطبيعي في التنقّل، على حدّ تعبيرها.

وكانت منظمة العفو الدولية قد نشرت نتائج دراسة شملت 60 شخصا من المشمولين بالإجراء تبيّن أن 37 شخصا منهم قد منعوا من التنقل من ولاية إلى ولاية أخرى داخل البلاد و23 شخصا منعوا من السفر إلى الخارج دون أن يُعلموا جميعهم بأنهم تحت طائلة الإجراء مسبقا. يشير نفس التقرير إلى أن 20 شخصا من العيّنة سئلوا عن التزامهم الديني و 3 منهم أرغموا على توقيع محاضر التزام دون أن تتاح لهم فرصة الاطلاع على محتواها مع عدم تسجيل أية حالة تعويض لتكاليف تذاكر السفر التي خسروها ضحايا الإجراء الحدودي.

قرار الوزير: خطوة مهمّة لكنّها غير كافية

وفي تعليق له حول قرار وزير الداخلية بإلغاء تطبيق الإجراء على مواطنين ممنوعين من التنقل داخل البلاد مع فتح النقاش بخصوص السفر إلى خارج البلاد، يقول المدير التنفيذي لمرصد حقوق الإنسان والحريات بتونس “مروان جدة” أن قرار الوزير” خطوة مهمة لكنها تظل غير كافية خاصة أن هذا التصنيف التعسفي يحرم عشرات الآلاف من جملة من الحقوق الأساسية ومن ممارسة عدة مهن أو استخراج وثائق إدارية، إضافة إلى أنّ هذا التصنيف التعسّفي سيجعلهم وعائلاتهم عرضة للهرسلة والتنكيل”.

حمزة السعدي، صحفي مصور حر يبلغ من العمر 30، تفاجأ بقرار منعه من السفر أثناء سفره إلى إحدى الدول الأوروبية  من أجل المشاركة في مسابقة دولية للتصوير الفوتوغرافي دون أن يتمكن من معرفة أسباب منعه.

إثر القرار المعلن من وزير الداخلية والحكم الصادر عن القضاء التونسي، عبر حمزة السعدي عن ارتياحه لهذا التطوّر في قضية الإجراء الحدودي مشيرا إلى أنّه “رغم كون قرار منعي من السفر قرار ظالم ومحبط إلا أن ذلك لن يمنعني من المشاركة في مسابقة دولية وسأتشرف بتمثيل تونس في مثل هذه المحطّات الدولية رغم الظلم الذي ألقاه في وطني.”

إن الحالات التي عرضناها في هذا التحقيق، إلى حدّ الآن، تمثّل حوادث تخصّ أشخاصا غير متورّطين في قضايا قد تهدد أمن المواطنين أو أمن البلاد بصفة عامة. ولكنّ ذلك لا ينفي  أنّ هذا الإجراء لا يخصّ إلا المظلومين، بل هناك العشرات من الأشخاص الذين طبّق عليهم الإجراء الحدودي بعد ثبوت تورطهم في قضايا خطيرة.

من بين هذه الحالات، نجد وضعية أ.ج.، وهو شاب تونسي مقيم بمدينة بن قردان من ولاية مدنين مُنع من السفر خارج تونس، وذلك بعد ثبوت تورّطه في تهريب أفارقة من القطر الليبي نحو تونس إبّان الثورة الليبية حيث كان يتقاضى ألفي دينار مقابل كل عملية تهريب. وقد سُجن هذا الشابّ لمدة 5 سنوات قبل أن يتمّ إطلاق سراحه سنة 2017.

يقول أ.ج.: “نعم أنا متورّط والقرار ليس ظالما، لكن الآن لا يمكن العودة إلى الوراء من أجل  إصلاح ما اقترفته. حقيقة أنا أشعر بالندم تجاه ما قمت به وأتحمّل وحدي مسؤولية ذلك وأتفهم قرار منعي من السفر وكلي أمل في أن يخدمني القرار الجديد المعلن من طرف وزير الداخلية في قضيتي كي أتمكن من استرداد كامل حقوقي المدنية.”

 

الإجراءات الحدودية روتينية

في مقابل ذلك يقول كاتب عام نقابة أمن مطار تونس قرطاج الدولي “أنيس الورتاني” في تصريح لموقع إينكيفادا إنّ الإجراءات الحدودية ليست أمرا مستجدّا بل هي إجراءات معمول بها منذ سنوات طويلة، مبيّنا أنّ ما يعرف بالإجراء S17 يحيل على « استشارة » في حق شخص ما تتوفّر لدى الأمن معطيات تؤكّد أنه سيغادر البلاد بغرض «الجهاد» وبالتالي « سيشكّل خطرا على دولة أخرى ويجعل اسم تونس في خطر». ولا ينكر “الورتاني” استخدام هذا الإجراء الحدودي داخل البلاد وبين المدن.

ويشير “الورتاني” في تصريحه لموقع إينكيفادا إلى أن أسباب منع السفر تتمثل بالأساس في ظهور علامات التديّن على الشخص المعني من لحية ونقاب ومشاركة في خيمات دعوية أو قوافل خيرية ذات توجه متشدد والاشتباه في الانتماء للتيار السلفي والسفر نحو بؤر التوتر كتركيا أو ليبيا والاشتباه، كذلك، في السفر بغرض ممارسة الدعارة،  إلى جانب التمتع بالعفو التشريعي العام وتشابه الأسماء والوشاية والتهم الكيدية.

خلاصة القول أنّ هذا الاجراء قد يشمل أشخاصا متورطين في قضايا من شأنها أن تمس من الأمن القومي وقد تشمل أيضا في بعض الأحيان مواطنين عاديين لا دخل لهم في الموضوع لا من بعيد ولا من قريب. ولذلك بات من الضروري على سلطة الإشراف إيجاد الصيغة المثلى لتطبيق هذا الإجراء حتى يضمن لكلّ ذي حقّ حقه، وحتى لا يبقى مواطنا عاديا لا ذنب له ممنوعا من السفر حتى إشعار آخر … رغم الحكم بعدم شرعية الإجراء.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *