حركية

مثلث مرسيليا من مد الموسيقى .. إلى جزر السلطة

منوبة-الباساج-أمال الهاني/

هنا في اكبر وأكثر شوارع تونس العاصمة شهرة، شارع الحبيب بورقيبة، أين يلتقي الجنوب بالشمال التونسي وأين  يجتمع الغني والفقير والصغار والكبار والمعلم والتلميذ.

فلكل منهم حاجة فيه يقضيها، إما اقتناء بعض الحاجيات أو تناول المأكولات أو شرب فنجان قهوة أو لقاء الأصدقاء والأحبّة.

تستمع، وأنت تمرّ بين أرجاء هذا الشارع الرحب، إلى دقات نبضه الحيّ: بكاء طفل و قهقهات نسائية وأصوات باعة متجولين هذا يبيعك الورد أو عقدا من الياسمين وآخر يبيعك سجائر وغيرها.

هكذا هو شارع الحبيب بورقيبة “شارع الثورة” أو ما يسمّيه التونسيون “الافني”، يقف شامخا شاهدا على تحرّكاتهم واحتجاجاتهم وحكاياهم.

مثلث مرسيليا موطن فنّ الشارع

في منتصف المسافة بين “المنقالة” وتمثال ابن خلدون المنتصبين في هذا الشارع الرمز، يوجد شارع مرسيليا الذي يشكّل بمدخله مع هذين العلامتين مثلث، فكأنك ترى في المنقالة والتمثال ومدخل الشارع، ميامي و بورتو ريكو وجزر برمودا في تشكيلهما لمثلث برمودا الغامض. ومن هنا يمكن أن نطلق على هذا المكان مثلث مرسيليا نسبة لنهج مرسيليا.

في نهج مرسيليا بتونس العاصمة تلتقي الثقافات و تلتفّ النوتات حول الكلمات المعبّرة وكأنّ اختصاص هذا الشارع الغناء والموسيقى، ما جعله قبلة راحة وصفاء للمتفرجين و يعتبر عند البعض هاجس الدولة حسب ما اقر به لنا احد أعوان الأمن هناك.

ما إن تمر بجانب هذا الشارع حتى يستوقف سمعك مقطوعات موسيقية راقية ويلفت نظرك تواجد حشد كبير من الرجال والنساء والأطفال. مشهد يبعث فيك سحرا يدفعك لاكتشاف من يقف وراء هذا الجمع؟ تقترب بلهفة وابتسامة تجهل سرّها لترى أناسا يتمايلون مع الألحان غير مبالين ببعض، في جو من الضحك والاستمتاع والتصفيق.

على رأس هذا الشارع بالعاصمة، صيفا كان أو شتاء صباحا أو مساء، يلتقي بعض الشبان أعمارهم بين العشرين و الثلاثين، لا تبدو عليهم علامات الترف ولا ملامح المعاناة. حين تمعن النظر فيهم ترى الوشم المتوزع على مناطق عدة من أجسامهم وتلحظ هيئتهم الغريبة التي تظهر  من نوعيّة ملابسهم وتسريحة شعرهم. تبرز على وجوههم هالات سوداء تعانق الأعين من شدة السهر على حد تعبير احدهم، بحثا عن لحن يسحر غدا مارة هذا الشارع.

هم ثلّة من الشباب تنبعث من آلاتهم الموسيقية قمة الإبداع متلحفة بساطة الحضور.

موسيقى الشارع.. حبل النجاة

يقول أنيس.ع، وهو عازف ومغني شارع من جهة الشمال الغربي، أنّه احترف العزف مع أصحابه وجمع المال واشترى قيثارة ثم استوطن الطريق منذ ذاك الوقت. لم يكمل دراسته لظروف عائلية قاهرة، فتمرس موسيقى الشارع مقابل بعض الدنانير التي تضمن له قوت يومه: “ملاوي” من نهج ابن خلدون وفنجان قهوة وبعض السجائر.

وأضاف أنيس أنّه غير مرحّب به في عائلته بسبب الوشم والموسيقى، فيقول أنّ الشارع هو مهربه فهو بنظره المكان الوحيد الذي يلتقي فيه الأستاذ والطالب من دون تعالي، ويلتقي فيه العامل والموظف من دون بيروقراطية. فكلنا سواء في هذا الشارع و”الموسيقى التي تعزف على الطريق أصدق من أيّ لحن أخر، فبواسطتها أستطيع قول لا والتعبير عن أحاسيسي وعن آرائي “.

يكمل ا.ع انه تعرض للتهديد من قبل أعوان الأمن في نهج مرسيليا، ف”موسيقى جيتارتي وغنائي راحة للبعض كما أنهم نفسهم يمثلون ضغط لرجال الشرطة هنا، ربما لأننا في وقت اختلط فيه الحابل بالنابل ولم يعط هناك فرق بن المتسول والمتحيل وبين عازف الطريق وقاطع الطريق، فعادة ما يدعوني بالمتسول”

“اسمع تمشيش نلقاك غادي بعد ” كلمات صدرت من ضابط شرطة موجهة لأنيس، وحين استفسرنا عن السبب أجابنا انه يقصد بأنه لا يريد من أنيس وأصدقائه التواجد بمدخل شارع مارسيليا في المساء، هذا النوع من الفن يمثل لنا إشكالا خاصة في هذا الشارع، لأنه قلب البلاد، حيث يختلط الكل.

كلمات بسيطة في شكلها ولكنّ مضمونها تنوء بأوجاع أنيس وزملائه في فن الشارع، قد حولت حاضرهم إلى جحيم لا يطاق على حسب كلماته.

موسيقى الشارع بين ابتسامة المارّة وتهديد الشرطة

“قد يكون هذا الفن مشكلة بالنسبة لأعوان الأمن هنا، لكن أنسى التوتر حالما أشاهد ضحك البعض ورقص البعض الأخر على الحاني، إني اغني للشارع ولقلب من في الشارع، لا أرجو مالا ولا أود مسرحا للغناء، فانا وأصدقائي نرنو بكلماتنا نحو السماء، إننا الكلمة الحرة، صادقنا الطريق وطرقنا قلب العدو والصديق” يضيف ا.علوي هذه الكلمات ناظرا للسماء بابتسامة صفراء، تبعث فيك تساؤلا حول رضائه التام للوضع وتقبل الصد و الرفض في كل مرة يلامس فيها الجيتارة.

تقول ر.ناجي لا أرى تصنعا في هذا النوع من الفن، إني مستمعة وفية، كلما مررت من هنا أتذكر أغاني من نوع “عايشه” أو “أصابك عشق” فلهذا المكان رائحة خاصة في قلبي، أحبهم ولا أرى سبب في إيقافهم أو التصدي لهم. لم تكد تنهي الكلمات على مهل من خوفها أن تفوت أغانيها وألحانها المفضلة، فأسرعت بإخراج الهاتف لتوثق اللحظات كما اعتادت على حد قولها.

كما يضيف ح.دخيل هم نقاء هذا البلد لقد مللنا من الأغاني الخادشة للحياء، نريد احترام هذا النوع من الفن الراقي على حد تعبيره

شهادة قيلت بمزج الشفقة والجدية.

هنا في أخر الجمع يقف العم كريم، رجل في بداية الستينات يختم قائلا هؤلاء الشباب مشهورين في نهج مارسيليا وقلة من لا يحبهم، يجعلوني ابتسم رغم يومي التعيس في العمل.

الحان يجد فيها هذا الرجل مهربا من تعاسة يومه كما شاء أن يعبر، مضيفا لتهتم الدولة بما هو أهم ولتتركهم بحال سبيلهم.

يخطئ اليوم من يروّج بأنّ شوارع تونس باتت تعجّ بمظاهر الفساد والتحيّل. فهي، وأن حملت بعض هذه المظاهر، مازالت تراتيل الغناء والموسيقى تتعالى في سماءها.

ضغط الشرطة على هذا الفن، لا زال حاصلا إلى اليوم وهذا ما اقر به ا.علوي، متسائلا إلى متى سيقف رجال الامن وجه صد امامهم؟

فن الشارع، رسالة يفهمها كل من مرّ من هناك،ّ تغريك بوقفة خارج الضوضاء اليومية وتعطيك نفحة من الأمل والسعادة. ف”الموسيقى قد تكون يوما ما لغة عالمية للجنس البشري” كما أقرّ بذلك أفلاطون واليوم هي لغة في تونس يتعامل بها البعض فيما بينهم في الشارع، تجعل المار يختفي في جاذبية مرسيليا ليس بحرا انما موسيقى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق