قف

الخبير الاقتصادي عزّ الدين سعيدان ل”الباساج”:

"اقتصاد تونس ينزف والتشخيص هو بداية الحل"

 

الباساج  – رؤى علوي /

 

خلال تصريح تصريح صحفي اقترح الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان خطّة إنقاذ الاقتصاد التونسي تقوم على ثلاث مراحل هي التشخيص، العمل على وقف النزيف، ثم الإصلاح. حول هذه الخطّة حدّثنا الأستاذ “سعيدان” وشخّص لنا أسباب الأزمة الاقتصادية التي ترزح تونس منذ سنوات تحت وطأتها ومظاهرها.

 

*يشهد الاقتصاد التونسي ترنّحا شديدا جرّاء الانخفاض الحادّ في مخزون العملة الصعبة وتقف وراء هذا الانخفاض أسباب عديدة أهمّها ارتفاع عجز الميزان التجاريّ.  

ماهي الأسباب الأساسية لهذا العجز حسب تقديركم؟

هناك عجز أخطر من العجز التجاري و هو العجز الجاري الذي يتكوّن منه، و لكن فيه مكونات أخرى. و يسمّى أيضا بعجز ميزان الدفعات الجارية، و هو عبارة عن إضافة مداخيل السياحة ومداخيل التحويلات التونسية بالخارج إلى ميزان الخدمات. هو إذن ميزان دفعات كامل تنقصه فقط حركة رؤوس الأموال، و هو العجز الحقيقي الذي يعطينا فكرة عن حاجة البلد للتّداين الأجنبي.

في كلّ دول العالم نقول إنه إذا بلغ ميزان عجز الدفعات الجاري 3% من الناتج الداخلي الإجمالي فهذا مؤشر “أحمر” خطير جدا، و لا بد من التدخل و إصلاح الخلل. و نحن الآن في حدود 11.2% وهو مؤشر لا يقل خطرا. إن باب تونس مفتوح على مصراعيه للتداين المشطّ.

بلوغنا هذه المرحلة الخطرة ليس سوى نتيجة لخيارات اقتصادية خاطئة تتخذها البلاد، فمثلا في حديثنا عن التوريد منذ 2011 نجد أنّه قد ازداد بنسق مرتفع جدا، و دخلنا في توريد أشياء غير أساسية بالنسبة للاقتصاد التونسي، و لكن التصدير لم ينمُ بنفس النّسق بل تقلّص.

 

* ألا يعدّ خروج تونس من تصنيف الدول الأكثر إنتاجا للفسفاط منذ 2016، بعد أن كانت تحتلّ المرتبة الثانية بعد المغرب سنة 2010، عاملا مهمّا أيضا ؟

بل هو أحد أهمّ العوامل لأنّ الفسفاط جلّه موجّه للتصدير ، و كان قطاع الفسفاط يساهم في ميزانيّة الدّولة ب1 إلى 1,5 مليار دينار سنويّا من المرابيح. و لكن هذا القطاع أصبح يطلب أموالا من ميزانيّة الدولة حتى يحافظ على توازناته المالية.  إضافة إلى ذلك الطاقة التي كان إنتاجها يغطي 80% من حاجياتنا سنة 2010 و لكن الآن تعطّل الإنتاج الطاقي بشكل كبير خاصّة النفط وهذا يعود إلى عدّة أسباب.

 

* لو وضّحتم لنا هذه الأسباب؟

السّبب الأول هو أنّ الفصل 13 من دستور تونس يقول إنّ كلّ التراخيص في هذا الميدان لا بدّ أن تمر ّعلى مجلس نواب الشعب. و لكن طريقة العمل كانت بطيئة للغاية و أيضا حسب رأيي مجلس نواب الشعب ليس الأجدر بمهمّة إعطاء الرُّخص.. ثم دخلت تجاذبات سياسيّة كبرى أضرّت بمصلحة البلاد و أعطيك مثال : في سنة من السنوات لم نحفر أي بئر فسفاط بينما في العادة نقوم بحفر 20 إلى 25 بئرا سنويا.. و بالتالي جميع الرّخص تعطلت.

السّبب الثاني يكمن في مشاكل اجتماعيّة تسبّبت في تعطيل الإنتاج بالجنوب إضافة إلى إغلاق عدد من آبار النفط،علما وأنها آبار قديمة جدّا إذا تمّ إغلاقها فإنّه يصعب فتحها، لذا تقلّص الإنتاج الطاقيّ بشكل كبير إلى أن أصبح يغطّي أقلّ من 45% من الحاجيات، هذا الازدياد الكبير للتوريد مقارنة بالتصدير،دفع بعديد من المؤسّسات المصدرة لمغادرة البلاد  و  بالتالي ازداد تقلّص الصناعات التصديريّة و هذا أدّى إلى عجز الميزان التجاري الذي وصل سنة 2018 إلى 19,2 مليار دينار..

 

*كيف يمكن تفسير تفاقم الديون الخارجيّة التي ارتفعت بنسبة 246% خلال 7 سنوات ؟

السياسات هي التي أدّت لهذا الوضع الصعب لأنّ العجز في الميزان التجاريّ و في ميزان الدفعات الجارية لا يُدفع إلاّ بالعملة الأجنبية،و نظرا لعدم توفّر العملة لا بدّ من اللجوء إلى التداين الأجنبي و لذلك وصلنا إلى مستوى تداين مشطّ جدا! في نهاية 2018 وصلنا إلى 93 مليار دينار من الدين الأجنبي و هذا أصل الدين دون فوائد،و هو ما يساوي تقريبا 90% من حجم الاقتصاد التونسي..

 

*كيف يؤثر التضخّم المالي على الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعية ؟

طبعا هذه الوضعية لها تأثير سيّء جدّا على المجتمع بل يمكن القول إنها المتحكّم الرئيسيّ فيه.  من المؤسف اليوم، و بعد أكثر من 60 سنة على الاستقلال و 8 سنوات على الثورة،قد تفاقمت ظاهرتا  الفقر و البطالة ..فالبطالة بلغت نسبتها 15,5%.. و أكرّر أنّ السياسات الخاطئة هي التي تؤدّي إلى التضخّم الذي يؤدّي إلى هبوط في قيمة العملة،و من ثَمَّ كان دخول المواطنين في حالات بطالة وفقر لا متناهية.

 

*  يعني أنتم تعتقدون أنّ السياسات الخاطئة التي اتّبعتها الحكومات المتعاقبة بعد الثورة أنتجت هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة. هل يكمن المشكل في الحكومات فقط أم أنّ الأزمة يمكن اعتبارها أيضا جزءا من أزمة عالمية تشمل كل بلدان العالم؟

ليست أزمة عالمية، هناك عديد من البلدان أوضاعها الاقتصادية جيّدة جدّا حتى في إفريقيا وترتيب تونس مقارنة بهذه البلدان تقهقر جدّا، التعميم غير ممكن فهذه نتيجة سياساتنا و لا ننسى أخطاءنا التي من ضمنها الارتفاع الجنونيّ لنفقات الدولة مقارنة بإمكانيّات البلاد: مثال في سنة 2017 نسبة النموّ كانت 1,6% و لكن نفقات الدولة ارتفعت ب 17,2% في سنة واحدة..  و في سنة 2019 نفقات الدولة ترتفع ب 13% و نسبة النموّ هي 2,5% ،  و ميزانيّة الدولة كانت سابقا  تمثل 22% من حجم الناتج الداخليّ الإجماليّ  بينما الآن أصبحت تمثّل 32%. و بالتالي هناك ازدياد كبير بنسق سريع جدّا في نفقات الدولة دون وجود نموّ مقابل هذا الارتفاع و النتيجة هي مزيد التداين العموميّ و قد تضاعف الدَّيْن 3 مرّات من 2010 إلى  2018.

* حسب تصريح لكم في شمس أف أم، قلتم إنّ خطة الإصلاح و إنقاذ هذه الوضعيّة الاقتصادية تعتمد على 3 مراحل هي التشخيص، وقف النزيف، ثم الإصلاح.

هل بإمكانكم توضيح مراحل خطّتكم بأكثر دقة؟

لا بدّ من إصلاح الاقتصاد عبر المراحل الثلاث التي تكلّمت عنها..  لماذا أقول التشخيص؟ لأنّ تشخيص الحالة هو نقطة الانطلاق في العلاج، لو كنّا متّفقين في فكرة التشخيص لكنّا اتّفقنا في الحلّ. أنا أقول لا بدّ من توقيع وثيقة لضمان عدم تغيير الرأي، لأنّ هذا التشخيص سنستخرج منه برنامج إصلاح هيكليّ القصد الأساسيّ منه هو فهم الحالة و مختلف زواياها لإيقاف النزيف،لأن اقتصادنا ينزف حقيقة و طاقاته تستنزف من كلّ مكان. و حسب تقديري يمكن لهذا النزيف أن يتوقّف خلال سنة و نصف إلى سنتين. ففي سنة 1986 كانت تونس تعيش أزمة اقتصادية كبيرة إثر نهاية نظام بورقيبة،و قد تمكّنت من إصلاح أوضاعها عبر هذا التخطيط. لا يمكننا الإنكار أنّ الوضع الحالي أخطر بكثير لكن التمشّي يبقى صحيحا.

 

* حسب المؤشّرات الأولى لسنة 2019 ما هي توقّعاتكم بخصوص التفعيل الحقيقي لخطتكم ونجاح تونس في الخروج من أزمتها ؟

بداية سنة 2019   كانت سيّئة جدّا، لأنّ في شهر جانفي فقط العجز وصل 1,57 مليار دينار أي بزيادة 30% مقارنة بشهر جانفي من سنة 2018، و لكن هناك أمل إصلاح، ففي خصوص حديثنا عن الدَّين إذا ارتفع و كان استعماله في استثمار ،فهذا جيّد  إذ  سيخلق ثروة و مواطن شغل. لكن إذا استعمل لتغطية نفقات عامّة فهذا سيتسبّب في مشاكل كبيرة جدّا. أؤكّد أنّه إذا رأى الطرف الأجنبيّ أنّنا فعلا دخلنا في عمليّة إنقاذ حقيقيّ سيساعدنا، كذلك الشعب عندما يرى أنّ الحكومة دخلت فعلا في عمليّة إصلاح،  سينتظر و يساهم حتى عند رؤية نتائج قليلة، فنحن بحاجة إلى بداية تحسّن طفيف تعيد بناء الأمل و الثقة. و أكرّر أنّ حلّ الأزمة السياسيّة هو بداية حلّ لبقيّة المشاكل.

 

*هل يمكن اعتبار أنّ إقصاء الشّباب من المشهد الاقتصادي و السّياسيّ رغم اعتباره القوّة الفاعلة في البلاد كما ينصّ الدّستور التّونسيّ قد ساهم في تعميق هذه الأزمة بالبلاد؟

هو مساهم فيه و نتيجة له في نفس الوقت ..بخصوص المجال الاقتصادي بلدنا يعاني من مشكلة عدم تطابق طريقة تكوين الشباب مع حاجيات سوق الشغل،  فعدد أصحاب الشهادات العليا في ميادين معينة لا تتماشى مع حاجيات السوق و لم نتمكن بعد من إصلاح أوضاع التعليم و تنسيقها مع سوق الشغل. و في إطار الحديث عن استثمار غائب و نمو اقتصادي ضعيف و هش ليس هنالك مجال لخلق مواطن شغل و بالتأكيد، في غياب الشغل نحن بصدد الحديث عن اقتصاد “مهدَّد” .

و لكن بالنسبة إلى المشهد السياسي فللشّباب الدّور الأساسيّ في هذا الغياب و”الإقصاء”،حيث نلاحظ عزوفا غريبا و غير مفهوم في الانتخابات مثلا.. و لم تحدث دراسات كافية لتفسّر لماذا الشباب ليس مهتمّا بالحياة السياسيّة. لماذا لا يصوّت الشّباب لتغيير أوضاعهم السياسيّة، للتأكّد مِن أنّ مَن يقود البلاد لديه الكفاءة اللازمة ليحرّك عجلة الاقتصاد؟ هذا العزوف مخيف جدا!! و أهمّ مثال على ذلك خلال الانتخابات البلديّة الأخيرة  عدد  الشّباب الذين صوّتوا، خلافا لما يقال في الصحف، لا يمثّل 1 من 3 بل 1 من 5 لأنّ عدد الأصوات كان 1.700.000 صوت، و ما ظهر في الجسم الانتخابي كان يمثّل 8.5 مليون ناخب شابّ و هو ما يمثّل خُمس العدد الجملي..

فلا يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطيّ إذا كان المواطن التونسي و خاصّة الشّاب غير مهتمّ بالمشاركة  و رافضا لها. لذا أكرّر أنّ الشّباب له مسؤولية كبرى في الابتعاد عن المشهد السياسي..

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *