الرئيسيةمطبات

تلاعب في صحة التونسيين…خرق في إجراءات التجارب السريريّة لدواء يمنع التجلطات القلبية

تلاعب في صحة التونسيين…خرق في إجراءات التجارب السريريّة لدواء يمنع التجلطات القلبية

تونس – الحسين بن عمر

21 أفريل / أبريل 2019

لم يكن خافياً على الدكتورة نادية فنينة، المديرة العامّة السابقة للصيدلة والدواء بوزارة الصحة التونسية، تبعات إصرارها على مطالبة مخبر “يونيماد” لمالكه رضا شرف الدين، النائب في مجلس نواب الشعب عن حزب حركة نداء تونس، بإعادة تجارب دواء “إنقزاماد ENOXAMED” السريرية، “لعدم استجابتها للشروط الفنية الدنيا” كما تقول، وهو ما بدا في قرار فصلها، بعد أيام قليلة من رفضها الانصياع لأوامر وزير الصحّة الأسبق محمد الصالح بن عمار، الذي طلب منها في مكالمة هاتفية أنه “لا بدّ من رفع الحظر عن ملف سي رضا”، حينها أبلغها المدير العام للصحّة نبيل بن صالح قرار فصلها من منصبها على رأس الإدارة العامّة، الذي شغلته ما بين أكتوبر/ تشرين الأول 2012 وحتى أكتوبر/ تشرين الأول 2014.

 

قطّبت فنينة في استياء وكدر عميقين، وازدردت ريقها في ظمأ وغشيتها غاشية يأس وإحباط وهي تروي لمعدّ التحقيق ما كانت كشفته في تقرير التفقد (التفتيش) الداخلي بالوزارة عدد 3 لسنة 2016، عن حيثيات محادثتها الهاتفية تلك: “كان أمراً بالتنفيذ أكثر منه التماساً بإعادة النظر في الملف”. لكن هل كان ثمة حظر أصلاً؟ (في تجاوز شرط التجارب السريرية للدواء الذي يمنع التجلطات القلبية وتخثّر الدم البشري خلال وبعيد العمليات الجراحية)”

تجاوزات وزارة الصحّة


يكشف التحقيق التجاوزات التي أتتها وزارة الصحّة التونسية، في منح مخبر “يونيماد” لمالكه رجل الأعمال وعضو لجنة الصحّة بمجلس نواب الشعب ورئيس نادي النجم الرياضي الساحلي، رضا شرف الدين، رخصة تسويق دواء “إنقزاماد” في يناير/ كانون الثاني من عام 2015، في مخالفة للفصل 7 من قرار وزير الصحّة العمومية، المؤرخ في 15 ديسمبر/ كانون الأول 1990، الذي يضبط كيفيّات منح رخصة الترويج بالسوق للأدوية ذات الاستعمال البشري وتجديدها وإحالتها، والذي ينصّ على أنه “يجب أن يرسل كل مطلب للحصول على رخصة الترويج بالسوق لدواء ذي استعمال بشري إلى وزير الصحّة العمومية (..) وأن يكون مصحوباً بملخّصات الدراسات والاختبارات التحليلية والصيدلية والتسممية والسريرية، حسبما تم ضبطها بالأمر 1401 لسنة 1990 المؤرخ في 3 سبتمبر 1990، المتعلق بضبط كيفيات التجارب الطبّية أو العلمية المعدّة للطبّ البشري”.

كما يعرّي التحقيق، إهمال وزراء الصحة المتعاقبين منذ سنة 2016 لتوصيات تقرير التفقّد الداخلي بالوزارة عدد 3 بتاريخ 19 فبراير/ شباط 2016، المتعلقة أساساً بـ”ضرورة إعادة عرض ملف “إنقزاماد” على اللجنة الفنية للاختصاصات الصيدلانية التابعة لوزارة الصحة، للبتّ في مدى صحة رخصة التسويق واتخاذ الإجراءات التأديبية اللازمة ضد المديرة العامّة لوحدة الصيدلة والدواء إيناس الفرادي، التي خلفت نادية فنينة في منصبها بالنيابة إلى حين تثبيتها في المنصب وتعيينها رسمياً في 25 ديسمبر 2017.

غياب الدراسة السريرية


يعود تاريخ إسناد وزارة الصحّة رخصة ترويج المستحضر الحيوي الشبيه (منتج طبّي بيولوجي مشابه لعقار معتمد) “إنقزاماد” لمخبر “يونيماد” إلى يوم 16 يناير/ كانون الثاني 2015، أي أسبوعين فقط قبل مغادرة محمد الصالح بن عمّار وزير الصحة في حكومة المهدي جمعة لمنصبه (تولّاه في الفترة من 29 يناير 2014 وحتى 5 فبراير 2015)، وقد وقّع الرخصة المدير العام الأسبق للصحة نبيل بن صالح، وأرفقها بمراسلة بعنوان “ترخيص بالتسويق في السوق التونسية”، نصّت على أن “يلتزم صاحب الرخصة بإنجاز التجارب السريرية البعدية (وهو ما لم يكن متاحاً أساساً حسب فنينة)، وبحسب الشروط المحددة من قبل اللجنة المختصّة في الأدوية المعالجة، لاضطرابات القلب والأوعية الدموية والكلى في ظرف سنة واحدة”.

وتعرّف الوكالة الأوروبية للأدوية (EMA) المنتج الدوائي الشبيه أو البديل الحيوي على أنه: “منتج طبّي بيولوجي مشابه لعقار بيولوجي معتمد بالفعل، يشار إليه عادة باسم “المنتج المرجعي الطبّي”. و”الدواء الشبيه هو منتج دوائي بيولوجي بنفس التركيب الكمّي والكيفي للمادة الفعّالة، ونفس الشكل الصيدلاني كعقار بيولوجي مرجعي”، وفق تعريف التقرير الخاص بالبدائل الحيوية الصادر عن الوكالة الفرنسية لسلامة الأدوية والمنتجات الصحّية ANSM في مايو/ أيار 2016.

وللهيئة الفنية بمقتضى قرار وزير الصحّة، المؤرخ في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2002، المنظّم لسير وتركيبة الهيئة الفنية للاختصاصات الصيدلانية، في فصله الثالث المتعلق بمنح رخص ترويج الأدوية البشرية، صلاحيّة الاقتراح على الوزير إسناد الرخصة، أو تأجيلها أو إحالة المسألة على خبراء بعد دراسة تقارير اللجان المختصّة في الأدوية، التي ينص دليل إجراءات تسجيل الأدوية المعدّة للاستعمال البشري، على ضرورة مصادقتها على الملف قبل أن تبتّ الهيئة الفنية للاختصاصات الصيدلانية برأيها في ملف طلب الترخيص.

ومع أنّ تقرير اللجنة المختصّة في الأدوية، الذي أحيل إلكترونياً على إيناس الفرادي يوم 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، وحصل معدّ التحقيق على نسخة حصرية منه، يؤكد استحالة منح ترخيص التسويق بمثل البيانات المعروضة في ظلّ غياب دراسة التشابه البيولوجي، وأنه “من الضروري إجراء دراسة سريرية تشمل عدداً كبيراً من المرضى المقبولين في خدمات أمراض القلب وعرض بروتوكولها على أنظار اللجنة للمصادقة عليها”، فإن رئيس اللجنة المختصة في الأدوية التابعة لوزارة الصحّة، وأخصائي أمراض القلب والشرايين الدكتور هادي بكار، أكد أنه علم بقرار منح الرخصة بـ”محض الصدفة”، خلال اجتماع لجنة شراء الأدوية بالصيدلية المركزية في شهر مارس/ آذار 2015، أي بعد نحو أربعة أشهر من تاريخ إسنادها من قبل الهيئة الفنية، وفق مراسلة موجهة للجنة التفقد يوم 11 مارس/ آذار 2016.

ورغم أن هذه الهيئة الفنيّة نفسها رفضت، وفق محضر جلسة 23 يوليو/ تموز 2014، منح رخصة “إنقزاماد ENOXAMED” لـ”يونيماد” بنفس المعطيات المقدّمة لها لاحقاً بتاريخ 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، إلا أنّ موقفها تغيّر في غضون شهرين فقط، وأياماً قليلة بعد انتخابات 24 أكتوبر 2014 التي أتت برضا شرف الدين نائباً للشعب، ووافقت على إسنادها في جلسة 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014.

وفي علاقة بالتجارب السريرية البعدية، التي فرضت اللجنة المختصة في الأدوية إنجازها على “يونيماد” في ظرف سنة، أكدت فنينة في هذا السياق وضمن شهادتها الموثقة في تقرير التفقّد الداخلي في وزارة الصحة، “أن التجارب السريرية مفروضة ومطبقة على كل البدائل الحيوية، ولم يكن مسموحاً لأيّ ملف طلب رخصة تسويق بالمرور أمام اللجان المختصّة ما لم تكن التجارب السريرية (قبلية) جاهزة، وكل مخالفة لهذه التراتيب كان سيعرّض وحدة الصيدلة والدواء آلياً للمساءلة بسبب خرق الإجراءات”.

ورغم كل التحفظات حول ملف “إنقزاماد”، فقد أقرّت اللجنة المتعددة الاختصاصات التي طلبت الهيئة الفنيّة استشارتها بتاريخ 6 فبراير 2016، نهائيّاً رفع التحفظات السابقة، وبالتالي منح رخصة تسويق الدواء دون إنجاز الشرط التعليقي المضمّن بالمراسلة المرافقة لرخصة 2015.

لكن الخطوة السابقة تتناقض مع مقتضيات الفصل 10 من قرار وزير الصحّة التونسية، بتاريخ 10 سبتمبر/ أيلول 1996، المتعلّق بضبط طرق منح رخصة الترويج بالسوق للأدوية ذات الاستعمال البشري وتجديدها وإحالتها، الذي ينصّ في النقطة (هـ) منه على أنّ “وزير الصحة يرفض منح رخصة الترويج في السوق بعد أخذ رأي الهيئة الفنية في الحالات التالية: (..) إذا كانت الوسائل المزمع استخدامها لتطبيق طريقة الصنع وإجراءات المراقبة غير ضامنة لجودة المادّة في طور الصنع بالتسلسل”، وهو ما تم تطبيقه مع شركة “موديس” التونسية المصنّعة لشبيه مماثل لـ”إنقزاماد”، رغم أنها تمتلك رخصة تسويق سابقة لـ2011، وكانت حينها صاحبة أفضل عرض في صفقة التزوّد الدولية بالدواء لسنة 2012، وتم إلزامها بإتمام التجارب السريرية وبقيت الصفقة معلقة إلى حين استظهرت بالتقرير التكميلي، وفق فنينة. وتضيف: “الاستعمال البشري للبروتينات ينتج تفاعلاً حمائياً وحساسية، وهو ما يستوجب التثبّت من نجاعة وسلامة الدواء الشبيه”.

تأجيل التنفيذ

 

ورغم أن “يونيماد” سبق أن تعهدت بإتمام التجارب السريرية، في ظرف سنة واحدة من تاريخ منحها رخصة الترويج المشروطة، وفق ما ورد في مراسلة وجهتها لوزارة الصحّة بتاريخ 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، تعلمها فيها بمواعيد إنجاز التجارب: “تطبيقاً لتوصية إدارة الصيدلة والدواء، التي تنصّ على الالتزام بإجراء الدراسة السريرية البعدية في ظرف سنة واحدة”، في اتفاق واضح على إسناد الرخصة قبل إتمام هذه التجارب، وهو ما يعدّ “سابقة غير معهودة” وفق تأكيد فنينة، التي عملت في إدارة الصيدلة والدواء منذ يوليو 2007.

الوزارة اشترطت في الموافقة على إسناد الرخصة، إجراء تجارب سريرية بعدية في ظرف سنة، فهل أوفى مخبر “يونيماد” بتعهداته المكتوبة؟ وهل كانت الوزارة جادّة في تأكيدها حتمية سحب الرخصة إذا لم تنجز التجارب السريرية قبل نهاية سنة واحدة؟

بحسب تقرير التفقد، أكدت إيناس الفرادي المديرة العامة بالنيابة سنة 2016، تلقّيها تقرير التجارب السريريّة لـ “يونيماد” عبر بريدها الإلكتروني يوم 15 يناير 2016، ما يوحي بإيفاء “يونيماد” بتعهداتها المكتوبة في المهلة المحددة، إلا أنّ تقرير التجارب السريرية (ص 14) المودع بمكتب ضبط الوزارة بتاريخ 19 يناير 2016، تضمّن عنواناً مفاده “تجربة منجزة بتاريخ 16 يناير 2016 (بعد يوم من انتهاء المهلة)”، وهو ما ينسف ادعاء الفرادي. وفي محاولة للاستفسار والتوضيح بشأن هذا التضارب، اعتذرت الفرادي عن الاستجابة لطلب معدّ التحقيق ورفضت التعليق.

في المقابل، ورغم إقراره لمعدّ التحقيق بتضمن تقرير التجارب السريرية تجربةً منجزة بتاريخ 16 يناير 2016، أكد رشاد عزيّز، المدير الفني لـ “يونيماد” (عميد كلية الصيدلة بالمنستير من 2002 إلى 2008، والمدير العام الأسبق للشركة التونسية للصناعات الصيدليّة من يوليو 2010 إلى سبتمبر 2012)، إرساله تقرير التجارب السريرية إلكترونياً يوم 15 يناير 2016 محتوياً على التجارب السريرية المطلوبة، إلا أنّ الشركة قامت بتعديل التقرير لاحقاً خلال تضمينه لدى مكتب ضبط الوزارة!

انقضت مدة السنة الممنوحة لـ”يونيماد” لإتمام تجاربها السريرية، ورغم ذلك تم قبول التقرير شكلاً في انتظار البت في مضمونه، عساه يستجيب لتوصيات اللجنة المختصّة في الأدوية، الواردة في محضر جلسة الهيئة الفنية المنعقدة بتاريخ 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، عندما تقرّر منح الرخصة المشروطة، وفي الأثناء إلى حين اجتماع اللجنة الفنية راسلت إدارة الصيدلة والدواء الصيدليّة المركزيّة بتاريخ 26 يناير 2016، لتبلغها بتلقيها نتائج البحوث السريرية الخاصّة بـ”إنقزاماد”.

لم يطل الانتظار، فقد اجتمعت يوم 3 فبراير 2016 الهيئة الفنيّة، وقرّرت استشارة الهيئة العليا المتعددة الاختصاصات التابعة لوزارة الصحة، للحسم في ملف الرخصة المشروطة، وبما أنّ الصيدليّة المركزيّة كانت قد نشرت رسمياً نتائج طلب العروض الدولي عدد 01/2016 لتزويد السوق بالدواء، بعد تلقيها موافقة اللجنة العليا للصفقات العمومية على مقترحها المقدّم يوم 25 يناير 2016، والمطالب بإقصاء “يونيماد” من الأقساط (الأجزاء) الأربعة التي قدّمت فيها أفضل العروض الماليّة الخاصّة بأدوية “الانقزابرين (عائلة الدواء المقصود)” المانعة للتجلّط وتخثر الدم وقيمتها 4 ملايين دينار (مليون و700 ألف دولار أميركي حينها)، لم تتأخر إدارة الصيدلة والدواء برئاسة الفرادي في دعوة أعضاء الهيئة العليا المتعددة الاختصاصات، للاجتماع يوم السبت 6 فبراير 2016.

وخلال “اجتماع السبت”، وفق ما اصطلح على تسميته في الوزارة، في إشارة لسابقة دعوة اللجان لاجتماع رسمي في يوم عطلة رسمية، أقرّت الهيئة العليا المتعددة الاختصاصات رفع التحفظات المتعلقة بالرخصة المشروطة، رغم أنّ “كل الخبراء الحاضرين أجمعوا على عدم تلبية التجارب لما طلبناه في جلسة لجان الأدوية المختصّة، في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014″، بحسب ما ورد في تقرير فوزي عداد عضو اللجنة الفنية ورئيس الجمعية التونسية لأمراض القلب وجراحة القلب والشرايين، الأستاذ بقسم القلب في مستشفى عبد الرحمن مامي بأريانة، الموجه للجنة التفقد بتاريخ 7 مارس 2016. واكتفت اللجنة بالتزام جديد بتطبيق خطة إدارة مخاطر (محتملة)، وهو ما اعتبره أستاذ الصيدلة المتقاعد من كلية الصيدلة بجامعة المنستير كمال بوزويتة في اتصال هاتفي بمعدّ التحقيق، غير كاف للتحقق من سلامة المنتج الحيوي، وبذلك أسندت وزارة الصحة رخصة تسويق لشبيه حيوي، رغم عدم تقديم تجارب سريرية تستجيب لتطلعات المختصين.

وغضّ الطرف عن تشديد اللجنة المتخصصة في الأدوية والهيئة الفنية، وكل التزامات الشركة نفسها بإتمام التجارب السريرية، وتم إغفال الشرط التعليقي المنصوص عليه بالمراسلة المرفقة للرخصة المذكورة آنفاً، غير أن المطّلعين على الملف لم يغفلوا عن الخلاف الدائر حينها بين “يونماد” واللجنة العليا للصفقات العمومية، وهنا تضيف فنينة أن غاية التسريع بمنح الرخصة المشروطة، هو المشاركة في الصفقة العمومية المنتظرة في 2015.

التجارب السريرية تفشل الصفقة العمومية

 

صرّحت لجنة الفرز الخاصّة بطلب العروض الدولي عدد 01/2016 بفوز شركة “يونيماد”، بصفقة مالية تناهز 4 ملايين دينار، ووفقاً للأمر الحكومي عدد 1039 لسنة 2014 المؤرخ في 13 مارس/ آذار 2014، الخاص بتنظيم الصفقات العمومية، فإنّ البت في الصفقة صار من أنظار اللجنة العليا للصفقات العمومية التي أحيل لها الأمر يوم 9 سبتمبر/ أيلول 2015، والتي أبدت في جلستها المنعقدة بتاريخ 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، احترازاً على مشاركة عارض يملك رخصة ترويج مشروطة بإتمام التجارب السريرية، وهو ما دفعها إلى الاستئناس برأي مصالح وزارة الصحة في مراسلة بتاريخ 10 ديسمبر/ كانون الأول 2015.

“يونيماد” طعنت في قرار استبعادها من الصفقة التي تمّ فيها التصريح بفوزها بـ4 أقساط (أجزاء) تخصّ “إنقزاماد”، وقوبل بالرفض لـ”عدم وجاهة الطعون المثارة بالعريضة، لأنّ العرض المقدّم تضمّن رخصة ترويج مقترنة بالتزام المخبر بإجراء دراسات سريرية لاحقة، كان من المفروض تقديمها قبل منح الرخصة المذكورة قصد التحقق من نجاعة الدواء، وعدم تضمّنه مخاطر تهدّد سلامة المرضى، بما يجعل هذا الشرط يرتقي إلى مرتبة الشرط التعليقي، الذي لا يمكن بناءً عليه المشاركة في طلبات العروض، إلا في حالة رفع الشرط المذكور من قبل اللجنة الفنية”، وفق تقرير الهيئة العليا للطلب العمومي حول فرز العروض الفنية والمالية لطلب العروض الدولي الخاص بالصيدليّة المركزية بتاريخ 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، الذي تم الحصول عليه بعد طلب نفاذ للمعلومة موجّه لرئاسة الحكومة.

كما أكدت: “وجوب حصول المخبر على مصادقة وزارة التجارة على أثمان الدواء، حتى يتم تسويقه وهو ما لم يتمّ إلا يوم 21 أغسطس/ آب 2015، أي بعد آخر أجل لتقديم العروض (14 يوليو 2015)”.

الصيدلية المركزية، بوصفها ممثلة في كل من لجنة شراء الدواء والهيئة الفنية، كانت بالضرورة على علم بعدم إنجاز “يونيماد” للتجارب السريرية، وبالتالي كان من المفترض منها عدم قبول مشاركتها في الصفقة، أو على الأقل التنبيه عليها بأنّ فوزها بالصفقة يبقى متوقفاً على إتمام تجاربها السريريّة، والحصول على ترخيص وزارة التجارة.

وفي المقابل، لم يكن تغافل لجنة فرز العروض عن التنبيه إلى إضافة الوثائق الناقصة، وطلب الصيدلية من “يونيماد” تمديد ضمانها المرسل بتاريخ 28 ديسمبر/ كانون الأوّل 2015، كافيين لإقناع الهيئة العليا لمراقبة ومتابعة الصفقات بمشاركة دواء يملك رخصة ترويج مشروطة، وبالتالي “خسرت “يونيماد” الصفقة لتقديمها تجارب غير مطابقة لشروط لجان الأدوية المختصّة، كما تؤكد الدكتورة فنينة.

رضا شرف الدين، وفي حديث هاتفي مع معدّ التحقيق، عزا “حرمان” مخبره من الفوز بهذه الصفقة العمومية الخاصّة بـ 2016، وكذا مماطلة وزارة الصحّة في منح رخصة تسويق “إنقزماد”، إلى المنافسة ووجود شركات أدوية دوليّة ليس من مصلحتها حصول شركتين تونسيّتين على ترخيص لتسويق لأدوية “إنقزابارين”، حتى تظل متاحة لها المشاركة في الصفقات العمومية.

أضاف: “حتى لو بقينا 14 سنة ونحن نقدّم التقرير تلو التقرير فلن يصادقوا عليه. نحن ضحيّة مصالح شركات دولية ومحليّة”، مستغرباً في ذات السياق: “كيف لوزارة الصحّة التي قبلت تقرير التجارب السريريّة التكميلي، الذي طلب من شركة “MEDIS” سنة 2012 أن ترفض تقرير التجارب السريرية الخاص بدواء “إنقزاماد”، والحال أنّ مخبرنا أخذ نسخة مطابقة للأصل من تجارب الشركة المذكورة، فضلاً عن قيامنا بدراسة الجدوى المكتملة الشروط سنة 2012″، مؤكّداً أن التجارب السريرية المطلوبة كانت تخصّ أربعة أقساط فقط، ويوجد قسطان من نفس دواء “إنقزاماد”غير مشمولين بالتجارب السريريّة.

ورداً على شبهة النفوذ التي حفّت بملف طلب ترخيص دواء “إنقزاماد”، نفى شرف الدين ذلك نفياً قاطعاً بالقول: “تم تسليمنا رخصة تسويق دواء “إنقزاماد” من قبل الوزير محمد الصالح بن عمّار غير المنتمي لنداء تونس”.

ذات الطرح أيده رشاد عزيّز، الذي بيّن أن “أكبر دليل على سلامة “إنقزاماد” هو نشر التجارب السريرية الخاصّة به في المجلة العلمية الهندية “Journal of BioEquivalence & Bioavailability” يوم 23 سبتمبر/ أيلول 2016 (بعد 8 أشهر من تاريخ رفع التحفظ)”، مؤكداً أن تسويق “إنقزاماد” لم يتم إلا بعد رفع التحفظات أي سنة 2016، رغم حصول “يونيماد” على ترخيص وزارة التجارة يوم 21 أغسطس 2015، ومضيفاً أن دليل إجراءات تسجيل الأدوية في تونس لم يتحدث عن الأدوية الحيوية الشبيهة إلا في مايو 2016.

وأضاف أن أوّل دواء شبيه للدواء الأصلي الفرنسي لوفينوكس، عند تسجيله بالولايات المتحدة الأميركية سنة 2010، لم يشترط عليه القيام بدراسة سريرية وأنه في الولايات المتحدة يتم الحديث عن شبيه كيميائي للوفينوكس لا شبيه حيوي

ماذا فعل سعيد العايدي؟

أمر وزير الصحّة السابق سعيد العايدي (تولى منصبه في 6 فبراير 2015 وحتى 27 أغسطس 2016)، بإجراء تفقّد داخلي يتعلّق بإسناد رخصة تسويق “إنقزاماد”، ومشاركته في طلب العروض الدولي سنة 2015، انطلق يوم 22 فبراير بمقتضى مأموريّة عدد 3، بإشراف 6 متفقدين عن التفقدية الطبية والصيدلانية والإدارية. وخلص إلى توصيات أهمّها: إعادة عرض ملف “إنقزاماد” على أنظار اللجنة الفنية واتخاذ الإجراءات التأديبية اللازمة ضد الفرادي.

المتفقد الطبّي بوزارة الصحّة الدكتور محمد مقداد، والمتفقدة الصيدلانية الدكتورة جميلة خروف، أكدا إتمامهما التفقد المتعلق بملف “إنقزاماد”، وإحالة الملف على مكتب ضبط الوزارة خلال فترة الوزير العايدي، لكنهما تحفظا عن الإجابة عن كلّ سؤال يهمّ محتوى تقرير التفقد، متحصّنين بـ”السّر المهني المطلق” خلال لقائهما معدّ التحقيق، الذي لم يكن باستفسارهما، ينشد غير التأكد من ثبوتية تقرير لم يبوّب بمكتبة التفقدية الطبيّة، ولم تتم إحالته على مكتب النزاعات والشؤون القانونيّة، وفق إفادة مكتب النفاذ للمعلومة التابع لوزارة الصحّة.

ويتفق في هذا السياق، كل من وكيل الرئيس الأول بالمحكمة الإدارية السابق القاضي أحمد صواب، وأستاذ القانون العام بالجامعة التونسية كمال بن مسعود، على أن انتهاء تقرير تفقّد ما إلى وجود “خلل بيّن وجسيم” و”معلّل قانونيّاً”، يقيد سلطة الوزير ويفرض عليه إحالة الملف على النيابة العموميّة، أو على المكلّف العام بنزاعات الدولة في صورة المطالبة بالحق الشخصي.

وإدارياً تتمثّل السلطة المقيدة في ضرورة القيام، حالاً، بإجراء تحفظي يتمثّل في هذه الحالة في إيقاف إيناس الفرادي عن العمل، بمقتضى الفصل 56 من قانون الوظيفة العموميّة، وفق تأكيد أحمد صواب الذي أوضح، أنّ وضعية الإسناد في السلطة التقديرية تقتصر على إحالة المشمولين بالشبهة على مجلس التأديب، أو انتظار ما سيقرره القضاء. واستدرك صواب قائلاً إن “وجود 6 متفقدين ومن ثلاثة اختصاصات متنوّعة، هو عامل مهمّ من شأنه التقليل من مجال الخطأ أثناء التفقّد”

صواب أضاف أنّ إحالة وكيل الجمهورية للشكاية المودعة من قبل حزب “الشعب الجمهوري”، الذي كشف أمينه العام الدكتور لطفي المرايحي سابقاً عن ملفات فساد في قطاع الصحّة، منها قضية اللوالب القلبية المنتهية الصلاحية، والبنج الفاسد في آب/ أغسطس 2016 ضد وزارة الصحة، على أنظار باحث البداية (أول مراحل التحقيق)، في منطقة العوينة الضاحية الشمالية للعاصمة سنة 2016 بخصوص ملف تجاوزات دواء “إنقزاماد”، تعدّ “سنداً إضافياً لشبهات جدّية، ولولا ذلك لتمّ حفظ الملف من قبل النيابة العمومية”.

موقف الوزير العايدي حيال هذا الملف أثار أسئلة عديدة، لعل أهمّها “ما الذي جعله لا يؤشر على تقرير تفقّد كان هو من أذن بإنجازه؟ وخاصة أنه لم يأذن لا بحفظ الملف ولا بإحالته على مكتب النزاعات والشؤون القانونية، فضلاً عن عدم إحالته للنيابة العموميّة”..

“العربي الجديد” اتصلت بالوزير سعيد العايدي، طلباً للاستفسار عن جدوى تقرير حفظ خارج مساره العادي والهدف منه إن لم يكن المحاسبة، إلّا أنّه رفض التعليق دون سبب واضح.

الوزيرة سميرة مرعي، التي كانت على رأس الوزارة في فبراير/ شباط 2017، أكّدت لـ”العربي الجديد” مراسلتها للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، شهراً واحداً بعد تعيينها على رأس الوزارة، كجواب على مراسلات سابقة من قبل العميد شوقي الطبيب رئيس الهيئة، ولفتت إلى أنها طرحت فكرة تشكيل لجنة مشتركة مع الهيئة، قبل أن تعدل عن ذلك لمجرّد علمها لاحقاً بفتح النيابة العمومية بحثاً في الملف.

وأكدت علمها وتوصّلها بقرابة العشرين ملفّاً آخر تعلّقت بها شبهات فساد في قطاع الأدوية، معلّلة عدم اتخاذها إجراءات تحفظية في حق الفرادي، بانتظار نتيجة التحقيق القضائي، وهو ذات التفسير الذي ذهب إليه خلفها في الوزارة عماد الحمّامي، عقب “علمه بملف “إنقزاماد” في ربيع 2018 على إثر طلب الاستماع لأحد مديري الوزارة كمتّهم لدى باحث العوينة”.

وبناءً على ثبوت الإخلالات في تقرير التفقد، وتأكيد النصوص القانونية المتعلقة أساساً بمكافحة الفساد، وأهمها الفصل الثاني من القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017، المؤرخ في 7 مارس/ آذار 2017، والمتعلّق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلّغين، الذي يحدّد سوء التصرّف في المال العام وإهداره والانحراف بالإجراءات والسلطة أو سوء استعمالها، وتأسيساً على الفقرة الأولى من توطئة دستور 2014 والفصل العاشر منه، اللذان ينصّان على التوالي على مبادئ علويّة القانون والإقرار بواجب الدولة في منع الفساد، تصبح سلطة وزير الصحّة، وفق تأكيد أحمد صواب، سلطة مقيدة تتطلّب، بعد التثبت والتنسيق مع النيابة العموميّة المتعهّدة بالملف إيقاف الفرادي. وحريّ التذكير أن الفرادي لم تحاسب قطّ على هذا الملف، وظلّت في منصبها إلى حين تنحيتها منه وتعيينها مديرة صيدلية بالمركز الوطني للنخاع العظمي، أسبوعاً فقط قبل مغادرة عماد الحمّامي الوزارة.
من جهته، اعتبر الخبير القانوني والمحامي المختص في قضايا الفساد قيصر الصيّاح، أنّ توصيات تقرير التفقّد تؤكد ثبوت حدوث خطأ مهني فادح، يمسّ بالمهامّ المنوطة بعهدة مرتكبها، ويخوّل في المطلق الوزير أو من يمثّله رئيساً للإدارة، أن يتّخذ حالاً الإجراءات التأديبيّة المنصوص عليها بالفصلين 51 و56 من قانون الوظيفة العموميّة، وطبق معايير التعريف الوارد بالفصل 8 منه.

وينصّ الفصل 51 على حق رئيس الإدارة في تسليط عقوبة تأديبية، على أحد الموظفين المنتمين إلى إدارته من الدرجة الأولى (الإنذار والتوبيخ)، أو عقوبة من الدرجة الثانية، وتضم أربعة أنواع من العقوبات (…) بما فيها الرفت المؤقت من العمل، أو العزل بدون توقيف الحق في جراية التقاعد، على أن “تتخذ العقوبات بقرار معلّل من السلطة التي لها حق التأديب”.

وأضاف صواب: “عدم تفعيل التأديب من قبل الوزير يعدّ خطأً فادحاً بالتقدير. وفي السلوك الإداري يعدّ تكريساً لثقافة الإفلات من العقاب ونفياً لدولة القانون. وعليه، فإنّ عدم التقيّد بهذه الإجراءات الإداريّة يجعل كلّاً من سعيد العايدي، وسميرة مرعي وعماد الحمّامي مخلّين بالدستور وقانون الوظيفة العموميّة”.

وتعقيباً على سؤال معدّ التحقيق، حول مدى وجاهة طلب سميرة مرعي تكوين لجنة مشتركة بين الوزارة وهيئة مكافحة الفساد، اعتبر الصيّاح أنّ ذلك يعدّ خرقاً واضحاً للتراتيب والإجراءات القانونية السليمة الواجب اتباعها في وضع الحال، لأن الأخطاء المهنية ذات الطابع الجزائي من اختصاص السلطة القضائية رأساً بكلّ صلاحياتها الترتيبية، ولا يبرر أصلاً إخراج الملف عن مساره أو الجنوح به إلى أيّ هيكل آخر.

ويؤكد الصيّاح أنّ تشريك هيئة، ينحصر دورها في الكشف عن الفساد وتلقي الشكايات والتحقيق فيها، بمقتضى المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 المتعلّق بـ: “مكافحة الفساد” وتحديداً الفصل 13 منه، في ملف سبق التفقد فيه هو خرق للإجراءات ولعهدة المسؤولية وتكريس لازدواجية الفصل، والحال أنّ القضاء هو الفصل، مضيفاً أنه “بما أن الإدارة قد أتمّت التفقد والتحقيق في ملف الحال، فإنه يجب على مرعي إحالته على القضاء وتطبيق القانون”.

أحمد صواب أيّد طرح الصيّاح، مؤكداً أنّ ما قامت به سميرة مرعي يعدّ: “مناورة إجرائيّة بهدف تعويم الملفات وإذابتها بمفعول الزمن، وهو انحراف بالإجراءات بهدف خدمة هدف غريب عن المصلحة العامّة”.

رغم الخروقات الفنّية والإداريّة التي حفّت بمراحل إسناد رخصة “إنقزاماد”، فإنّ نادية فنينة نفسها شددت على “أهميّة تصنيع مستحضر حيوي حسّاس، من شأنه إتاحة سعر تفاضلي مقارنة بالدواء الأجنبي الأصلي”.

التجاوزات التي حفّت بإسناد رخصة ترويج “إنقزاماد”، وشبهات النفوذ وتنازع المصالح، التي وسمت هذا الملف قد تكون الشجرة التي تخفي غابة التجاوزات، التي قد تحدث في وزارة الصحة، وخاصة أنّ الوزير عماد الحمّامي أقرّ في تصريح لمعدّ التحقيق بإحالته على النيابة العمومية سنة 2018، ملفّات جديدة تعلّقت بها شبهات فساد تهمّ شركة “يونيماد”.

ملفّات قد تكون حريّة بالبحث والتقصّي، وخاصة بعدما تحرّكت الوزارة أخيراً، إثر فضيحة وفاة 22 من الخدّج في مركز التوليد وطبّ الرضيع بتونس العاصمة، خلال الفترة بين 4 و15 مارس/ آذار 2019، واستقالة عبد الرؤوف الشريف تاسع وزير صحة منذ الثورة التونسية عام 2011، وإقالة ثلاثة مديرين عامّين في الوزارة.

أُنجز التحقيق ضمن المسار الدراسي في ماجستير الصحافة الاستقصائية وبالتعاون مع صحيفة وموقع “العربي الجديد” اللندنيّة.

المستندات

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *