أشغالالرئيسية

في الحاجة لمأسسة صناعة الاستقصاء في تونس

الباساج، الحسين بن عمر، مقال تلخيصي لمشروع التخرّج في الماجستير المهني صحافة استقصائيّة//

مثلت ثورات الربيع العربي وموجات الحراك السياسي وارتداداتها التي تهزّ المنطقة منذ الرابع عشر من جانفي 2011، دافعا رئيسيا لإعادة السؤال حول الأدوارالحقيقيّة والأبعاد المؤسسيّة التي وجب أن يضطلع بها الإعلام الرّقابي في إدارة الشأن العام ودعم الديمقراطية الناشئة وحماية مؤسساتها الوليدة خصوصا خلال المراحل الانتقالية كالتي تشهدها تونس حيث فرضت المستجدّات السياسية تجديدا في مضامين العمل وأدواتهوالتموقع في مهنة وهجت وافتكّت منزلتها في مسار نقدي لمستوى الأداء والخلفيات الثقافية للإعلاميين عموما.[1]

لا تزال الصحافة الاستقصائية في تونس غبّا تنشد حيّزا أكبر من الاهتمام والفاعليّة خارج دائرة الاستقطاب التقليدية: جلباب السلطة وما رافقه من تنصيع لصورة الدكتاتوريّة قبل الثورة أو خدمة أجندات ومراكز نفوذ مالي وسياسي بعينها بعيد انتخابات أكتوبر 2011.

وقد ولّدت وضعيّات الاستقطاب هذه انحرافا، وفق توصيف هابرماس، في الكينونة الأولى للمجال العمومي بعد تحوّل وسائل الإعلام الجماهيريّة إلى أداة للدّعاية والتّأثير على وقع قانون السّوق بشكل حوّل المجال العمومي من مجال للحجاج والعقلانيّة الحواريّة إلى حيّز للدّعاية السياسيّة.[2]

وحريّ بالصّحافة الاستقصائية بوصفهاالعنوان الأبرز للإعلام الرقابي وميسمالدقة والمنهجية والموضوعيّة في مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم على أفعالهم خدمة للمصلحة العامّة[3]، النّأي عن دوائر الاستقطاب المذكورة والعمل داخل بيئات صحفية وإعلاميّة أكثر تحررا ومهنيّة.

الحاجة لبنية إعلاميّة جديدة

لكي تفلت الصّحافة الاستقصائية من عقال دوائر الاستقطاب المذكورة أعلاه، وتحققمرامها المتمثّل في خدمة قضيّة العدالة، في مجتمع أضناه طول مرحلة الانتقال الديمقراطي وعسرها، تنبري الحاجة ماسّة لتنويع أفقي يطال بنية المشهد الإعلامي خاصّة وأنّ إشكاليّة الابتكار أضحت أساسية في ظلّ سياقات تحولات البيئة الثقافية للإعلام كالتي يشهدها الإعلام في تونس ما بعد الرابع عشر من جانفي.[4]

إنّ تجديدا بنيويا في مؤسسات الإعلام والصحافة من شأنه أن يشكّل ترياقا لمعضلةعجز البنية الإعلامية الحالية على استيعاب الطاقات الاستقصائية المعتبرة التي فرضت جدارتها في أكثر من مسابقة محليّة وإقليمية. فلم يعد مسموحا لصحفيي الاستقصاء جعلإنتاجهم  من المضامين الاستقصائية يتحوّل إلى إنتاج هامشيّ بمعنى على هامش الانتاج الصحفي اليومي أو حتى مناسباتي.

تجديد بنيوي مأمول من شأنه أن يصحّح الاختلال في مسار السلطة السياسية ويدعّم تحوّلها من سلطة غير شرعية إلى حكم ديمقراطي[5]. كأن يتيح لصحافة العمق والتحرّي لعب دورها الرقابي التخصّصي وتصنع رأيا عامّا منحازا للحقيقة وذابّا عن قيم الحرّية والنّزاهة، إسهاما منها في حركـة تحديث المجتمـع وإصلاحه وتغييـره.

ولئن صاحب انفلات الموجة الإعلامية الجديدة وصحوتها بتونس تعدّد في منصّات الإعلام والصّحافة، فإنّها ظلّت تفتقد للتنوّع المضموني والهيكلي القادر على تلبية حاجيات سوق محلية ودوليّة متزايدة على صحافة حرّة تستثمر في المنظومة القانونية الجديدة وبيئتها التي تدعّمت بتنصيص واضح على الحوكمة الّرشيدة في دستور جانفي 2014 وبصدور قانون عدد 22 لسنة 2016 المتعلّق بحق النفاذ إلى المعلومة والقانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المتعلّق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلّغين، وبات مطلوبا اليوم “مأسسة” صناعة الاستقصاء وعدم تركه حبيس اجتهادات شخصيّة لصحفيين هواة في مجال الاستقصاء أو مجرّد نواة لوحدات استقصائية تابعة أو هي على هامش غرف الأخبار وبرامج الرّأي داخل المؤسسات الإعلامية العموميّة أو الخاصّة.

فإذا كنّا نروم تغييرا جذريّا لواقع ومضمون صحافتنا والرقي بعموم المشهد الإعلامي، علينا وضع لبنات مؤسسية حقيقية من شأنها أن تحدث اختراقا في نمط الملكية السائدة لوسائل الإعلام الراجعة بالنظر لقوى سياسية حاكمة أو هي على تخومها،تكون الرّافعة لصحافة الاستقصاء كي يظلّ الميزان الأخلاقي والمهني فيصلا وحيدا في نشر المادة الصحفيّة وحتى تكون الخارطة البرامجية للمؤسسة الإعلامية منصّة تنوير ووعي وتبصير للجماهير بحقيقة ما يدور وبحقيقة دورها في المشاركة في صنع السياسات العامّة[6].

إنّ الاهتمام بالجانب المؤسسي للصّحافة وتحرير المبادرة الصحفيّة الخاصّة من شأنه الرّقي بالمضمون الاعلامي وتبصير الجمهور بمحاولات التضليل وتزييف الوعي التي تمارسها أبواق المال الفاسد وتحرير المتلقي من سطوة الإعلام في صورة تحوله إلى سلطة غير ديمقراطية وغير شفافة تتلاعب بتمثيل الواقع وبالنقاش العام والحياة الشخصية للأفراد.[7]

على الرّغم من وجود تجارب مؤسّسية محترمة وجديرة بالتقدير داخل تونس وخارجها من قبيل تجربة ديسكلوز الفرنسية وتجربة انكيفادا التونسية ، إلاّ أن الصّبغة غير الرّبحيّة لتلكم المؤسساتتحول دون تشجيع الطاقات الصحفيّة على الاستثمار والتفرّغ لإنتاج المضامين الاستقصائيّة.

في هذا الإطار، يتنزّل مشروع ختم دروس الماجستير المهني في الصّحافة الاستقصائية بمعهد الصّحافة وعلوم الإخبار المتمثل في فكرة بعث مشروع مؤسسة ناشئة (startup) تختصّ في إنتاج مضامين استقصائية وتثمينها.

ويتمثل النموذج التجاري للمشروع بالأساس في تثمين وإنتاج تحقيقات استقصائية على محامل متعددة وتسويقها،على أن يتمّ التّأشير وجوبا على مهنيّة ومضمون المنتج الاستقصائي قبل نشره أو تسويقه من قبل لجنة فنيّة تحدث للغرض تسمّى “مجلس ما قبل النّشر”

ويتألّف “مجلس ما قبل النشر” من لجان علمية متخصّصة ومشهود لها أكاديميا ومهنيا في مجال الصحافة الاستقصائيّة. ويتمّ استثمار تلكم المضامين المسوقة لاحقا من قبل المؤسسات المقتنية إمّا في النشر أو كمادّة خبريّة لتأثيث المنابر الإذاعية والتلفزية.

فكرة هذا المشروع الذي ناقشته يوم 17 جوان الحالي والذي تشرفت بتأطيره من قبل د.حميدة البور ومناقشته من قبل الأستاذين القديرين د. محمد قنطارة ود. أمين بن مسعود، تهدف إلى إحداث نقلة نوعيّة وإسهام مباشر في تطوير منتجات ومناخ الصحافة الاستقصائية >في ظلّ مشهد إعلامي فسيفسائي تغلب عليه الإثارة والسّباق المحموم في مضمار جلب نسب المشاهدة.

كما يأتي المشروع باعتباره ترجمة عمليّة للحاجة الماسّة للتفكير في أطر مؤسسية جديدة تكون محفّزا كمّيا على مستوى الإنتاج لصحافة العمق ومساهمة بنّاءة في تطوير مضمون المادّة الصحفيّة والإعلامية. خاصّة في ظلّ غياب التنوّع المضموني والهيكلي اللازم والقادر على فرض الارتباط والاستمرارية والثقة والمصداقية بين منتج المادّة الإعلامية ومتلقّيها. وتنبري تزداد هذه الحاجة في ظلّ اقتصار الإنتاج الصحفي المؤسساتي من المضامين الاستقصائية داخل تونس على بعض المبادرات الجمعياتيّة كـ”إنكيفادا” واجتهادات غير منتظمة لبعض الوحدات الاستقصائية داخل المؤسسات الاعلامية كوحدة الاستقصاء التابعة لوكالة تونس افريقيا للأنباء منذ مطلع 2016. فيما يمكن حصر بقية الإنتاج الاستقصائي، على أهميته ونوعيّته، في خانة الاجتهادات الفرديّة. عدا ذلك، بقي الإنتاج الاستقصائي في تونس يتمّ على هامش العمل اليومي أو على هامش إنتاج باقي الأشكال الصحفية الأخرى من صناعة المادّة الخبريّة.

إطار قانوني ملائم

من العوامل المشجّعة على المبادرة بتركيز مؤسّسة تعنى بصناعة الاستقصاء، يرتكز نموذجها التجاري على شراء تحقيقات استقصائية وتثمينها عبر “مجلس ما قبل النشر”  ثمّ تسويقها داخل تونس وخارجها، في تونس ما بعد الرابع عشر من جانفي 2011 هو توفّر ترسانةقانونية وبيئة مساعدة أهمّها التنصيص الواضح على الحوكمة الرّشيدة في دستور جانفي 2014 و قانون عدد 22 لسنة 2016 المتعلّق بحق النفاذ إلى المعلومة والقانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المتعلّق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلّغين.

الدراسةالميدانيةالمنجزة خلال مشروع ختم الدّروس هذا والتي شملت 24 صحفيّا استقصائيّا سبق لهم  إنتاج تحقيقات استقصائيّة فاز بعضها بعدّة جوائز داخل تونس وخارجها يؤكّدامكانيةتجسيدهذهالفكرة. كما يقيم الدّليل على رغبة الصحفيين الاستقصائيين وحاجتهم لمؤسّسة تقوم على تثمين قصصهم الاستقصائية وتسويقها بما يضمن لهم مزيد تجويد المادّةالصحفيّة وتسويقها فضلا عن توفير عائدات ماليّة تتماشى وقيمة الأتعاب المنجزة.

الاستمارة الخاصّة بالمؤسسات الصحفيّة والإعلاميّة بيّنت كذلك حاجة هذه المؤسسات واستعدادها لشراء مضامين استقصائيّة مؤشّر عليها مهنيّا وقانونيّا. بل أن بعض المؤسسات عبّرت عن رغبتها المستقبليّة في التعاقد مع المؤسسة الناشئة لشراء مضامين استقصائيّة مرّة كلّ نصف شّهر.

تحدّيات نجاح المشروع

على أهميّة المضامين الاستقصائية وحاجة المؤسسات إليها، تظلّ جملة من التحدّيات مطروحة بقوّة والتي قد تحدّ من نجاح هذا المشروع والتي ترتبط بمسألتين إثنتين: المسألة الأولى تتعلّق برغبة المؤسسات الإعلامية المقتنية للتحقيقات في وضع بصمتها التحريرية على التحقيق الاستقصائي المشترى مهما كانت نوعيّة التحقيق مكتوبا أم مصوّرا. هذا التحدّي يفرض الموائمة بين بات يعتبر حقا للنّاشر في وضع بصمته التحريرية وبين ضرورة المحافظة على بنية القصّة الاستقصائيّة واستقلالية فرضيّتها. بل وقد يقوّض بعضا من جهد مجلس “ما قبل النشر” فيما يتعلّق بالنزاهة واحترام أخلاقيات المهنة الصحفيّة.

المسألة الثانية تتعلّق بمدى توفّق المؤسسة الناشئة في إنجاح العمليّة التسويقيّة وحسن توليد عمليّة الطّلب المتوقععلى منتجاتها وحسن انتقاء القصص الاستقصائية القادرة على فرض تسويقها في سوق إعلاميّة تغلب عليها الإثارة ولا تغلّب بالضرورة متانة المضمون الإعلامي وجودته. فضلا عن ذلك يبقى من الضرورة بمكان حسن التصرّف في الوقت بين تاريخ إمضاء عقد الإنتاج مع الصحفي وبين تاريخ ترويج التحقيق.

إنّ المبادرة بخلق مؤسسة ناشئة كمبادرةعمليّة لريادة الأعمال الشابة والطموحة من شأنه أن يحدث نقلة نوعيّة تحوّل الصحفي الاستقصائي المرتطم بتحديات الواقع المرير المتسم بصعوبة الترويج للمضامين الاستقصائية من أجير إلى مستثمر ومشغّل قادرعلى توفير موطن شغل شبه قار لعشرات الصحفيين الاستقصائيين وربّما انتداب البعض منهم على مراحل. إضافة إلى ذلك، ستساهم فكرة المشروع في العود بالفائدة على مضمون المادّة الإعلاميّة ويفتح المجال للمنافسة بين المؤسسات الإعلاميّة على تقديم مادّة صحفية وإعلاميّة تحترم أخلاقيات المهنة وميثاق العمل الصحفي.

المصادر

  1. صباح المحمودي، تشكل الصحافة الاستقصائية في المشهد الإعلامي التونسي في المرحلة الانتقاليّة، صحافة الاستقصاء وسلطة وسائل لإعلام: التحديات والرهانات والآفاق، منشورات معهد الصحافة وعلوم الإخبار ومؤسسة كونرادأديناور، مطبعة سانباكت تونس ، 2014، ص 28.
  2. أمين بن مسعود ، أيّ دور للصحافة الاستقصائية في تشكيل مجال عمومي وفق مقاربة يورغنهابرماس، صحافة الاستقصاء وسلطة وسائل الإعلام: التحدّيات والرّهانات والآفاق، منشورات معهد الصحافة وعلوم الإخبار ومؤسسة كونرادأديناور، مطبعة سانباكت تونس ، 2014، ص49
  3. دايفد نايل، موقع يوتيوب الشبكة الدولية للصحفيين الاستقصائيين، 24 مارس 2018، https://www.youtube.com/watch?v=2n-MJ2jYXn4، 01 جوان 2019
  1. سليمان أعراج، الصحافة والسلطة السياسية، صحافة الاستقصاء وسلطة وسائل الإعلام: التحدّيات والرهانات والآفاق، مطبعة سانباكت، تونس، 2014، ص 64
  2. الصادق الحمامي، حوار جريدة الصباح التونسية، 3 جانفي 2018، http://www.assabah.com.tn ، 29 ماي 2019.
  3. محمد الراجي، أيُّ دور للصحافة الاستقصائية في تعزيز الممارسة الديمقراطية؟، 5 جانفي 2011، http://studies.aljazeera.net، 26 ماي 2019.
  4. الصادق الحمامي، أفكار حول التنظيم الديمقراطي للصحافة التونسية، 15 ماي 2011، https://www.babnet.net، 29 ماي 2019.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *