الرئيسيةمطبات

الخطوط البعيدة: نقص في عدد القطارات وراء تذبذب السفرات

أزمة الشركة الوطنية للسكك الحديدية المالية تقف حائلا دون تحسين الخدمات

تحقيق: ميرفت الشقطمي

“نعتذر للسادة المسافرين عن هذا التأخير” أو ” نعتذر للسادة المسافرين فرحلة القطار في اتجاه تونس – نابل قد ألغيت” جمل تسمعها يوميا عند انتظارك للقطار في محطة برشلونة بتونس العاصمة. فمنذ بداية شهر جوان 2019 تقريبا بدأت السفرات المبرمجة على الخطوط البعيدة تعاني تذبذبا أصبح واضحا وضوح الشمس خاصة مع العودة المدرسية 2019-2020. فيوميا تشهد محطة القطارات ببرشلونة التي تعج بالمسافرين المتوجهين إلى عدة مدن تونسية تأخر أغلب القطارات إلى جانب حذف ما لا يقلّ عن ثلاث سفرات في اليوم الواحد دون إعلام مسبق.
هذا التذبذب في السفرات والحذف المتكرّر لبعضها يمكن إرجاعه بالأساس إلى نقص في المعدات. فماهو سبب هذا النقص؟ هل أن عدد العاملين بالصيانة غير كاف لإصلاح العربات المعطلة؟ أم أنّ الشركة بدأت تعاني من أزمة مالية حادّة؟

صياح فمشدات كلامية بين الأعوان والمسافرين تصل في بعض الأحيان إلى شجار مادي بين الطرفين. مسافرون على الخطوط البعيدة جميعها وهي تونس – نابل وتونس – بنزرت وتونس -غار الدماء وتونس- سوسة وتونس – توزر انتظروا القطار في بعض الأحيان لأكثر من ساعة.
مشهد يومي أصبح مألوفا في محطّة القطارات ببرشلونة: تشكيات وتذمر وصل في مرات عديدة إلى احتجاجات تتمثل في غلق المسافرين للسكة الحديدية واحتجازهم القطار لساعات للمطالبة بتخصيص عربات أكبر لنقلهم ما يؤدّي لتأخّر بقيّة السفرات.

اضطراب السفرات يخلق حالة من الاحتقان والفوضى في محطة القطارات يتونس تجد المواطن حائرا يبحث عن اجابة تشفي غليله حول أسباب اضطراب مواعيد القطارات بينما الشركة الوطنية للسكك الحديدية تفضل الصمت ليزيد الاحتقان حين يردّد الأعوان الاجابة نفسها ” نحن لا نعلم”.

نقص في المعدات يفسر التذبذب
الطالبة رحاب حداد تتنقل يوميا على متن قطار تونس نابل أكدت تعطّل القطار في العديد من المناسبات وخاصّة في الصباح الباكر ما تسبب في تأخرها عن الامتحانات مرّتين وجعلها في إحراج مع أساتذتها.

وفي السياق نفسه، عبر سهيل بان (وهو طالب أصيل معتمدية قرمبالية) عن استيائه الشديد من خدمات الشركة قائلا: ” القطارات لا تأتي في مواعيدها المبرمجة والقطار الأول الذي يعول عليه كافة الطلبة والعاملين أصبح يكتفي بالوصول إلى محطّة برج السدرية ما يضطرّنا إلى الصعود في قطار الأحواز الجنوبية. فمسافة 45 دقيقة أصبحنا نقطعها في ساعة ونصف أضف إليها تأخير القطار فتجدنا نصل إلى العاصمة بعد ساعتين وكذلك الحال في المساء عند العودة. لقد تعبنا كثيرا إذ تم حذف تقريبا ثلاث سفرات كانت مخصّصة لخط تونس – نابل “. قال سهيل هذه الكلمات والغضب يعلو وجهه.

80 سفرة على الخطوط البعيدة تؤمنها يوميا 11 عربة قطار عمرها بلغ أكثر من 30 سنة. هذه العربات القديمة تتعرض من البديهي إلى عطب فجئي وهو ما يتسبب في تأخر تلك السفرة عن موعدها فتؤثر بطبيعة الحال على بقية السفرات.
هذا ما أكده الناطق الرسمي باسم الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية والمدير التنفيذي للخطوط البعيدة، حسان الميعادي, الذي أشار إلى أن الشركة تعاني من نقص كبير في المعدات و تشكو من أزمة على هذا المستوى وأنّ تذبذب مواعيد السفرات على الخطوط البعيدة سببه الرئيسي نقص في المعدات إلى جانب وجود تراخي في الصيانة الدورية للعربات بسبب نقص فادح في عدد العاملين ، فعندما يتعطل قطار لا يتم إصلاحه سريعا.

ذلك ما أكده أيضا عضو في ئقابة أعوان الشركة الوطنية للسكك الحديدية على مستوى الخطوط البعيدة، السيّد سليم، موضّحا أن النقص في عدد القطارات يعود إلى تعرّض البعض منها إلى حوادث تتمثل في بعض الأحيان في انقلاب العربات أو جنوحها عن السكة. وبين أن الشركة تعاني من نقص في قطع الغيار لذلك عندما يتعطل القطار لا يتم استبدال القطعة المتسببة في العطب بسرعة فيتم ترك القطار في مستودعات أو ورشات الصيانة التي تعاني بدورها من نقص في عدد العاملين في قسم الصيانة.

ويمكن أن تعزى مسألة النقص في عدد العاملين بالشركة وخاصة منهم المختصين في الصيانة إلى الأزمة المالية التي تشهدها الشركة.

فقد كان وزير النقل هشام بن أحمد كشف في تصريح إعلامي، في 11 مارس 2019 خلال جلسة استماع بلجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام بالبرلمان، عن تدهور الوضع المالي للشركة بداية من سنة 2017 مرجعا ذلك إلى ارتفاع أسعار كل من المحروقات في الأسواق العالمية، وقطع الغيار، علاوة عن الزيادات في الأجور والأعباء الاجتماعية وادماج أعوان المناولة وارتفاع أعباء القروض الممولة لاقتناء المعدات.

وسبق لوزير النقل السابق أنيس غديرة في 2017 التأكيد أنّ ديون الشركة فاقت 300 مليون دينار بسبب ما اعتبره تعطيلا لعملية نقل الفسفاط والتي تمثل 40 بالمائة من مداخيل المؤسسة.

أزمة مالية وراء اضطراب السفرات
وفي السياق ذاته، أشار كاتب عام النقابة العامة للسكك الحديدية، العربي اليعقوبي، في تصريح لجريدة الصباح الأسبوعي في عددها الصادر الإثنين 9 أكتوبر 2017، إلى أنّ الشركة تخسر سنويا 7 مليارات بسبب ما يعرف بـ ”الترسكية” في قطارات نقل المسافرين بأحواز العاصمة والخطوط البعيدة.

من جانب آخر، بين حسان الميعادي أنّ هذه الشركة تعاني من افلاس من حيث الميزانية إذ تتكبد يوما بعد يوم خسائر مالية تصل إلى المليارات، وهو ما يفسر نقص العاملين وعدم قدرتها على شراء قطارات جديدة. وأضاف أن الشركة لها ميزانية مستقلة متأتية من ثمن التذاكر والاشتراكات وحمولة الفسفاط والمواد الكيميائية التي تتكفل الشركة بنقلها من خلال التعامل مع فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي مؤكدا أن وزارة النقل لا تخصص ميزانية للشركة بل تدعمها في الاستثمارات وتقدم لها تعويضات عن الخسائر الحاصلة في خط الأحواز الجنوبية وخطوط الساحل والخطوط البعيدة التي لا يتنقل على متنها الكثير من المسافرين يوميا وهي خط تونس بنزرت وخط تونس القلعة الخصبة.

ومن جهته، أكد عضو ئقابة أعوان الشركة السيّد سليم أن الشركة تعاني من أزمة فالمصاريف أكثر من المداخيل. فحالة الافلاس تعود إلى عدة أسباب من بينها تفاقم ظاهرة ما يسمى” الترسكية” وغياب وعي المواطن.

وقال السيّد العربي اليعقوبي، في وسائل الاعلام إن الشركة “تعيش سابقة خطيرة في تاريخها تتمثل في نفاد جزء كبير من مخزونها من المحروقات مما أثر بشكل سلبي على تنقلات المسافرين وعلى نقل البضائع على غرار الفسفاط”.
وأكد اليعقوبي أن هذه الوضعية الصعبة نتجت عن تراكم ديون الشركة بقيمة جملية بلغت 208.8 مليون دينار سنة 2018 موزعة على كل من الشركة الوطنية لتوزيع البترول (36 مليون دينار) والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (100 مليون دينار) والشركة الوطنية للكهرباء والغاز (23 مليون دينار) والصندوق الوطني للتأمين على المرض (9 مليون دينار).

هذه الأزمة المالية تفسر رداءة الخدمات في الشركة التي أحسن المسافر فرج زميط التعبير عنها بقوله: ” تأخر القطارات أصبح قاعدة فالتأخير ليس لبعض الدقائق بل لساعات”. وأشار السيّد فرج الذي يتكبّد معاناة السفر من القلعة الكبرى إلى منّوبة مقرّ عمله إلى أنه في مرات عديدة تعطل القطار في مناطق خالية وفي الظلام الحالك ما يجعله رفقة بقية المسافرين ينتظرون قدوم قطار آخر.

وقال محدّثنا: ” ما يستفزني أكثر إلى جانب التأخير وتعطل القطارات هو سوء المعاملة من قبل الأعوان إلى جانب عدم تجاوب الشركة جديا مع مطالب الحرفاء وكأنها تستهتر بهم. كما أنني تعرضت إلى سوء معاملة وشاهدت أمامي مواقف مخلة بالحياء يتلفظ فيها أعوان المراقبة بعبارات سوقية تجاه الحرفاء وهذا يعكس حالة الاهتراء في هذا المرفق العمومي على مستوى التسيير إلى جانب افتقار القطار إلى الحاجيات الأساسية مثل بيوت الراحة كما تجد النوافذ مهشمة والقطار كله غبار. فهذه المظاهر تعكس حالة الاهتراء وتقهقر لهذه الشركة”.
مظاهر تفاجأ بها علاء الدين بن شهبون الذي اختار أن يزور عائلته في جربة بمناسبة العيد على متن قطار تونس قابس كثيرا وعبر عن انزعاجه الشديد من تأخر القطار في الانطلاق لمدة 45 دق واستغراقه 11 ساعة عوضا عن ثمانية ساعات كما من الحالة المهترئة للقطارات والفوضى العارمة داخلها. فمن اقتنى تذكرة درجة أولى لا يجد مقعدا ويضطر إلى الجلوس في الدرجة الثانية التي تفتقر إلى مكيفات التبريد وعندما يطالب المسافر بحقه يجيبه المراقب بعبارة هذا ليس من شأني.

هشاشة البنية تحتية
هذه عيّنة من معاناة المسافرين التي لن تنتهي بمجرّد اقتناء الشركة 110 عربة قطار بكلفة جملية تبلغ 600 مليار وفقا للسّيد حسّان الميعادي. فالشركة تعاني أيضا من مشكلة أخرى وهي حالة الاهتراء التي تشهدها السكك الحديدية. الأمر الذي يجعل سائقي القطارات يقومون بتخفيض السرعة عند التنقل وهو ما تسبب في تأخّر القطارات في الوصول إلى العاصمة أو بقية المدن. فعندما يتأخر قطار ما لمدة ساعة في بعض الأحيان بسبب التخفيض في السرعة فهو يتسبب آليا في تأخر بقية القطارات، والقطار القادم من سوسة مثلا إلى تونس عندما يصل إلى محطة برشلونة متأخرا يجب أن يذهب إلى مستودع الصيانة لمراقبته وملئه بمادة القازوال ومن ثم يعود إلى محطة برشلونة لينطلق في سفرة جديدة لذلك فهو سينطلق متأخرا لأنه قدم متأخرا.

وبيّن السائق محمد علي أن حالة التأخير لا يعاني منها المواطن فقط، بل كذلك السائقين الذين يضطرون إلى خفض السرعة وتجاوز الوقت المحدّد تجنبا لحوادث انقلاب العربات وغيرها من الحوادث التي تعود بالأساس إلى هشاشة السكك الحديدية مضيفا أن سبب تأخر القطار يعود في بعض الأحيان إلى وجود أشغال صيانة على مستوى السكك فتضطرب المواعيد العادية للسفرات.
وتشرف على عملية صيانة السكك الحديدية الشركة التونسية لأشغال السكك الحديدية التي تنجز أشغالا تتمثل في تجديد خطوط السكك الحديدية وصيانتها ووضع السكك الحديثة إلى جانب تهيئة ووضع سكك المحطات والمستودعات هذا ما أكده سمير عامل الصيانة بهذه الشركة الذي أشار كذلك إلى أن عملية الصيانة تكون دورية.
وأوضح لطفي وهو مراقب، أن هناك أطرافا تسعى إلى خوصصة الشركة وهو ما أكده سابقا العربي اليعقوبي عندما اعتبر أن غياب تدخل الحكومة أو سلطة الإشراف لإيجاد حلول للشركة يعتبر سياسة تهميش وتفريط ممنهج للشركة العمومية.
أزمة شركة السكك الحديدية التونسية أصبحت واضحة جدا ولا يمكن لأحد انكارها. أزمة تسببت في معاناة المسافرين وبدأت تتعقد يوما بعد يوم في ظلّ عدم رصد الحلول الجدّية. لذلك على سلطة الاشراف التدخل سريعا لإنقاذ هذا المرفق العمومي أمام تراكم مشاكله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *