الرئيسيةمطبات

في محيط المعاهد التونسية: ساعات خالية من الدراسة مليئة بالتحرش

تحقيق: حكمة مصدّق

حركت شبهة التحرش بتلميذة أمام إحدى معاهد مدينة نابل التي تحوم حول نائب في البرلمان الرأي العام وأثارت ردود أفعال غاضبة تحولت إلى حملات واسعة ووقفات احتجاجية تدعو الى معاقبة المتحرشين. وهكذا رفع الستار من جديد على ظاهرة التحرش بالمؤسسات التربوية التي بلغ عدد القضايا بشأنها 87 خلال الفترة الممتدة بين 1 اكتوبر 2018 و18 مارس 2019 حسب إحصائيات رسمية لوزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن. يدفع الى التساؤل عن أسباب انتشار ظاهرة التحرش في المعاهد التونسية؟

وفي هذا السياق يرى المختص في علم الاجتماع التربوي معاذ بن نصير أن هناك عدة أسباب وراء تنامي الأحداث المتعلقة بالتحرش الجنسي داخل الفضاءات المدرسية. من هذه الأسباب ما يعود إلى ارتفاع معدلات ونسب الكبت النفسي والجنسي لدى فئة هامة من المجتمع التونسي الذي عاش في فترات معينة من العمر على صورة ضبابية حول الجنس الآخر.

فالتنشئة الاجتماعية في بعض ربوع البلاد التونسية، وفقا ل”بن نصير” نصنع من الأنثى ذلك الغريب الذي لا يمكن اكتشافه إلا بعد فترة الزواج وهذا ما يخلق الكبت والضغط الجنسي الذي يجد مبتغاه في أول فريسة تعترضه.

وبما أنّ المتحرّش يختار ضحيته بإحكام حيث تكون أصغر منه سنا وله سلطة مباشرة، فإنّ تلاميذ المعاهد أطفالا كانوا أو مراهقين يصبحون الأنسب لتفريغ شهواته الجنسية.

ويضيف بن نصير أن هذا السلوك قد يكون مكتسبا بطريقة عمودية من أحد أفراد العائلة أو بطريقة أفقية من خلال الأصدقاء والأتراب. وفي بعض الحالات قد يكون المتحرش ذاته ضحية في سنوات سبقت، ممّا يخلق لديه نوعا من النقمة التي تتمظهر في إعادة استحضار تلك الصور في مرحلة عمرية معينة مستغلا الأرضية الملائمة داخل الحقل المدرسي.

ويؤكد محدّثنا أن من تعرض لتحرش جنسي سيعيش على وطأة تلك الحادثة حتى أن بعض الضحايا سيعيدون إنتاج ما عاشوه ويصبحون بدورهم متحرشين وجناة ويعيشون دوري الضحية والمتحرش وقليلون هم من سيتجاوزون هذه المحنة.

ضحايا تحرش يخرجون عن الصمت
وفعلا، فبعض الضحايا مازالوا يعيشون تحت وطأة حادثة تحرش ما، إلا أنهم قرروا تجاوز هذه المحنة عن طريق البوح ونشر تدوينات على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” توثق شهاداتهم الشخصية وذلك في إطار حملة “أنا زادة ” التي نظمتها جمعية “أصوات النساء “.

تسلط هذه الحملة الضوء على مدى انتشار ظاهرة التحرش بغاية إشعار الضحايا بالأمان ولأجل تقاسم الألم معهم وتقويتهم ومساعدتهم على مواجهة الاثار النفسية للتحرش.
ومن بين الشهادات التي شدت انتباهنا كانت شهادة (أ.ع) شاب في بداية الثلاثينات قال إنّه تعرّض إلى التحرش من قبل قيم في المعهد أين زاول تعليمه. وذكر أن هذا القيم كان يتوجه إليه بعبارات غزل غير بريئة حتى أنه أخبره ذات مرة أن جماله يفوق جمال الفتيات إلا أنه تصدى له في اليوم الذي حاول أن يتلمس فيه مناطق حساسة من جسده. وأكد الشاب أن الذكور أيضا يتعرضون للتحرش، إلا أنّ الخوف من نظرة المجتمع تجعلهم أكثر تكتما على ما يتعرضون له.

ورغم بلوغ مريم (اسم مستعار) سنّ الأربعين حاليا، إلّا أنّها لم تنسى حادثة تعرضها للتحرش من قبل أستاذها حين كانت تلميذة. وقالت الضحية أنّه كان يتعمّد لمسها من مناطق حساسة في الوقت الذي ينغمس فيه زملائها في إنجاز الامتحان. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إنّه كان يتبعها إلى دورة المياه ولولا صراخها واستنجادها بالحارس لكان التحرش سيتطور إلى عملية اغتصاب على حد تعبيرها. وأضافت الضحية أن المكان الطبيعي لهذا الأستاذ هو السجن وليس القسم إلا أن غياب قوانين تجرم التحرش في ذلك الوقت جعله ينجو بفعلته.

“ما فمّاش دخان من غير نار”
يعاقب القانون التونسي مرتكب التحرش الجنسي بالسجن لمدّة سنة مع خطية مالية قدرها ثلاثة الاف دينار ويشدد العقاب إذا ارتكبت الجريمة ضدّ طفل أو غيره من الأشخاص المستهدفين بسبب قصور ذهني أو بدني.

غير أنّ المشكلة لا تكمن في القانون بل في تطبيقه وتفعيله على أرض الواقع كما أكّد ذلك المحامي علاء الخميري. ويعود ذلك، حسب رأيه، إلى قلّة الامكانيات المتاحة لباحث البداية. أضف إلى ذلك أنّ فرق مكافحة العنف ضد المرأة غير مرتكزة في كل الفرق كما ينص القانون.

وذكرالأستاذ الخميري أنّ القانون دخل منذ عامين فحسب حيز النفاذ فمن الطبيعي ألّا يستطيع القضاء على الظاهرة. وأيّده في ذلك زميله بشير الكتيتي مؤكّدا أنّ

القانون لا يمكن أن يكون رادعا إلا إذا تم نشره والتوعية بخطورة الاعتداء والعقاب. وأضاف الكتيتي أنّ الاشكال يتمثل في أن قانون الاعتداء على المرأة والطفل يعتبر من القوانين المسقطة والذي مر بقرار سياسي لم يراع الواقع التونسي.

هذا القانون الحديث الذي لم يفعل بالشكل المطلوب والذي يعدّ أحد أهم أسباب تواصل انتشار ظاهرة التحرش لا يحمّله القيّم بمعهد ثانوي “مجدي معمر” القدر نفسه من المسؤولية التي يحمّلها للتلاميذ. فهم، على حدّ تعبيره، يعرضون أنفسهم للخطر والتحرش من خلال ممارساتهم اللّامسؤولة محادثة شباب منقطعين عن الدراسة والتغيب عن ساعات الدرس والتسكع في محيط المعهد، هذا الى جانب ارتداء ملابس لا تليق بحرمة المعهد والفضاء التربوي.

وتدخل “صالح سهل” وهو ولي لتلميذة مؤيدا كلام القيم بقوله “التحرش يتحمل مسؤوليته الطرفان وما فمّاش دخان من غير نار”.

الساعات الجوفاء خطر يهدد سلامة التلاميذ
أمّا التلاميذ فكان لهم رأي مخالف، إذ اعتبرت التلميذة هدير شعبان (18سنة) أنّ الساعات الجوفاء التي يجدون أنفسهم مجبرين أثناءها على مغادرة المعهد والبقاء خارج أسواره نظرا إلى أنّ الوقت لا يكفي للعودة إلى المنزل هي ما يعرضهم للخطر ويعرض اخرين للانحراف.

وذكرت التلميذة أنّها كانت شاهدة على تحول زميل لها من تلميذ هادئ إلى منقطع عن الدراسة وعربيد لا يتوانى عن الشتم والتعرض للفتيات بالكلام المشين. وذكرت أيضا أنه تم استدراجه من بعض المنحرفين خلال هذه الساعات الجوفاء حتى أصبح واحدا من عصابتهم وشبيها لهم.

وعبرت التلميذة “مريم بوشعالة ” عن شعورها بالخوف وعدم الأمان في محيط المعهد أين تضطر للبقاء مساء كلّ ثلاثاء وخميس وأضافت أنها تعرضت خلال هذه الساعات لمضايقات ولتحرش لفظي كاد يتطور لتحرش جسدي من بعض المتسكعين.

وبسؤالها عن الحماية الأمنية، أكدت غياب أي دوريات أمنية في المنطقة المحيطة بالمعهد وأضافت أنّ رجال الأمن لا يتدخلون إلا في الحالات القصوى كحالات العنف الشديد مثلا.

إنّ الآثار السلبية التي تلازم التلميذة والتلميذ جرّاء التحرش الجنسي الذي يتعرّضون أمام معاهدهم تحتاج من وزارة التربية كما وزارة الخارجية وقفة حازمة للحدّ من هذه الظاهرة. ولعلّ قرار وزارة التربية الأخير بإدراج مادة التربية الجنسية بهدف توعية التلاميذ وحثهم على الإبلاغ عن أي تجاوزات تحصل لهم يعدّ خطوة إيجابية إلى جانب قرارها تركيز كاميرات مراقبة في محيط كافة المعاهد.

المحامي بشير الكتيتي: القانون لا يمكن أن يكون رادعا إلا إذا تم نشره والتوعية بخطورة الاعتداء والعقاب. والاشكال يتمثل في أنّ قانون الاعتداء على المرأة والطفل يعتبر من القوانين المسقطة والذي مرّ بقرار سياسي لم يراع الواقع التونسي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *