الرئيسيةمطبات

أزمة الفسفاط تعود إلى الواجهة من جديد:

بين سوء التصرف وتراجع الإنتاج "فسفاط قفصة" على حافة الإفلاس

تحقيق: غادة الذوّادي

قدّر معدّل إنتاج شركة فسفاط قفصة خلال التسعة الاشهر الاولى من سنة 2019 بمليونين وسبع مائة ألف طن من الفسفاط، وهو معدّل لم يكن في مستوى توقّعات الشركة التي ضبطت لنفسها خلال الفترة ذاتها تحقيق إنتاج يساوي 4 فاصل 3 مليون طنّ(أي بفارق سلبي بلغت نسبته 43 بالمائة).

أرقام تعيد أزمة هذه المؤسسة الوطنية المختصّة في استخراج وإنتاج الفسفاط إلى الواجهة. فهي تعاني منذ سنة 2011 من تضاعف الخسائر المالية وتدهور لافت في حجم إنتاج الفسفاط التجاري بعد أن بلغ ثمانية مليون طن سنة 2010.

وتختلف تفسيرات هذه الأزمة المتمثّلة في ضعف الإنتاج بين من يقصرها على مشكلة النقل وبين آخر يردّها إلى فساد داخلي، وبين من يربطها بالاعتصامات ومن يحمّل الدولة مسؤلية تراجع هذا القطاع. وبين هذا وذاك تتعدد الأسباب المحتملة لأزمة هذه الشركة المهدّدة بالإفلاس.

إنّ هذا الضعف في الإنتاج لم يحدث بصفة فجئية، بل تراجع تدريجيا على مدى السنوات الثمانية الفارطة وفقا لبيانات نشرتها الشركة على موقعها الإلكتروني.  وتؤكّد هذه البيانات أنّ نسبة المبيعات في السوق الداخلية والأسواق الخارجية تراجعت من 7.3 مليون طن سنة 2011 إلى 3.4 مليون طن سنة2016.

ورأى المكلف بالإعلام في هذه الشركة عليالهوشتاتي انّ هذا التراجع يعود الى اعتصامات العمال المتواترة التي خفضت من الإنتاج وأثرت على الموازنات المالية قائلا: “لا يمكن أن ننكر أن الأزمة هي عبارة عن تراكمات بعد الثورة لكن حسب رأيي هناك عوامل لها تأثير أكثر من عوامل أخرى فهي علاقة منطقية إذ أنّ الاعتصامات تؤدي إلى ضعف المردود و بالتالي انخفاض الإنتاج وخسارة المعاملات ولذلك خسرنا بطريقة غير مباشرة العديد من الشركاء والعقود. ”

وقد أيّده في ذلك رئيس نقابة العمال بالشركة إبراهيم السحيمي الذي أشار إلى أنّ النقابة لاحظت غياب الوعي عند بعض العمال وهي تعمل على حلّ هذه المشكلة.

وأكدّ الخبير الاقتصادي معز الجودي “انه من البديهي ان نعتبر ضعف الإنتاج واحدا من العوامل الرئيسية للأزمة المالية الخانقة خاصة وان توقف الإنتاج لفترات طويلة ومتذبذبة أدّى إلى خسارة عديد الأسواق التصديرية في بعض مشتقات الفسفاط وعلى رأسها السوق البرازيلية التي حذفت معاملاتها مع تونس ووقعت عقدا مع المغرب ”

غياب القرار السياسي والانتدابات في شركات البيئة عمقت الأزمة

“أين ارادة الدولة؟ متى ستحقق وعودها؟ متى ستجد حلا لهذه الازمة؟الدولة تتبع سياسة ممنهجة لتصفية القطاع العام”. بهذه الكلمات حمّل إبراهيم السحيمي الدولة مسؤولية ما يحدث وتحدث أيضا عن الانتدابات التي قامت بها الدولة في شركات البيئة كحلّ ارتأته لأزمة البطالة تحت ضغط احتجاجات العاطلين عن العمل.

واعتبر السحيمي انه مع زيادة العمال من 6000 عامل سنة 2009 إلى 30000 عامل سنة 2019 ازدادت الضائقة المالية للشركة “سيّما أنّ هؤلاء المنتدبين طالبوا بترفيع أجورهم إلى 600 دينار لكل فرد وهو ما أدّى إلى كتلة أجور قدرت ب 400 مليار دينار سنويا وما جعل الشركة تقترض من البنوك وتعجز عن تسديده ديونها.”  هذا بالإضافة إلى القرار الذي اتّخذته وزارة الصناعة والقاضي باعتبار الشركة غير مصدرة وأصبحت بموجبه خاضعة للضريبة الموظفة على توريد المعدات والآليات على حدّ تعبيره.

وهذا القرار يحرم الشركة من تصدير الفسفاط ويجعلها توجّه كلّ إنتاجها نحو المجمع الكيميائي في الوقت الذي تحتاج فيه الشركة إلى استغلال ارتفاع الأسعار العالمية للفسفاط لتسديد الضريبة الموظّفة عليها.

وقد اعتبر الاتّحاد العامّ التونسي للشغل في بيان له هذا القرار ضربة قاتلة للمؤسّسة داعيا الحكومة إلى اتّخاذ إجراءات فعّالة لإنقاذ الشركة من الأزمة التي تتخبّط فيها.

شبهات حول صفقة تجهيزات وفساد داخلي ينخر كيان المؤسسة

من جانب آخر، أكد رئيس قسم استغلال ومتابعة الفسفاط محمود الردادي أنّ مشكلة النقل تعتبر موضوعا “معقدا شائكا” مفسرا أنّ الشركة، في السابق، كانت تتعامل مع شركات مناولة تضم مقاولين يقومون بنقل الفسفاط منالشركة إلى المجمع الكيميائي لتحويله وترشيحه. لكن عقب الثورة، تم تعويض شركات المناولة بالشركة التونسية للمواد المنجمية. وفي حين كانت شركات المناولة تنقل 50 مليون طن في السنة، لم تنقل شركة الموّاد المنجمية سوى 20 مليون طن خلال الفترة الفارطة بين سنة 2011 وسنة 2018، وهو ما تسبّب ل”فسفاط قفصة” في خسائر بلغت قيمتها 20 مليار في العام.

وأضاف الردادي أنّ تآكل القاطرات وقدمها عرقل عملية النقل واستوجب من شركة الفسفاط إعطاء قرض للشركة التونسية لنقل المواد المنجمية التي اشترت قاطرات أكبر حجما من المطلوب وغير ملائمة للسكك الموجودة بثمن أقل ما استدعى فتح تحقيق ضد إدارة المواد المنجمية.  وهذا ما أدّى الى مزيد من الخسائر لشركة الفسفاط وعدم حل مشكلة النقل وبالتالي تعميق الأزمة.

ومن الأسباب الأخرى لهذه الأزمة، وفقا لما ذكره عدد من العمال، فساد بعض الإطارات المسؤولة في الشركة. إذ اعتبرهم هؤلاء العمّال (الذين وافقوا على الإدلاء بتصريحاتهم وطالبوا بالتحفظ على هوياتهم) رمزا للفساد الداخلي.

وأشار العامل م. ب إلى تفشّي فساد المسؤولين ملمّحا أنّه “رغم ما تمرّ به الشركة الا أن المدراء مازالوا يطالبون بارتفاع الأجور التي بلغ أدنى اجر فيها 10800 دينار.”

تتعاضد، إذا، مشاكل الهيكلة والتسيير وسوء التصرف لتساهم مجتمعة في استفحال أزمة الشركة التي تلقي بظلالها على قطاع الفسفاط في تونس شريان الاقتصاد الوطني. وقد فشلت الحكومات المتعاقبة في معالجة هذا الملفّ واتّخاذ الإجراءات الجادّة بشأنه.

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *