أشغالالرئيسية

المعلقون أصبحوا سلطة رمزيّة

ظاهرة "الكروني – قراط " في المشهد الإعلامي

منوبة – الباساج – هبة غانمي وخلود كشيش:

منذ ثورة ال 14 من جانفي 2011, والإعلام التونسي يعيش فترة انتقالية من إعلام موجه إلى إعلام حرّ لا تقيّده إلا المقتضيات المهنية والأخلاقية وسلطة التعديل والتعديل الذاتيّ وهو مكسب جعله يتربع على عرش حريّة الإعلام في المنطقة العربيّة.

ولأنّ صيرورة الانتقال من الأحادية إلى التعددية,هي بمثابة المخاض الصعب, فإنّ العديد من الظواهر الإعلامية تظهر على سطح المشهدية الصحفية الكلاسيكية أو الميديا الجديدة, وكثيرا ما تُثير نقاشات وتجاذبات طويلة وعميقة بين ابناء المهنة والمتدخلين فيها. ولعل من أهمّ هذه المسائل المُستحثة للجدل الإعلامي والافتراضي على حدّ سواء, مسألة “المعلقين الصحفيين” أو “الكرونيكورات”.

هؤلاء الّذين أضحوا المحرك الأساسي للبرامج الحوارية السياسية كما الترفيهية، وباتوا يجسدون للبعض مرجعيات وسلطة رمزية لتكوين الآراء وللبعض الآخر أذرعا ناعمة لسلطة تقاطعات المال والإعلام.

موضوع جدلي يستحق الدرس و البحث في هذه الظاهرة الإعلاميّة وخصائصها وانعكاساتها على المشهد الإعلامي، سيّما وأنّ المسألة أثيرت مُجدّدا إثر قرار الفرع الجهوي للمحامين بتونس, الذي يقضي بمنع المحامين المباشرين من الظهور إعلاميا. إجراء كشف عن بوادر لإصلاح وتنظيم قطاع الإعلام في تونس.

الكرونيكيروقضايا الشأن العامّ

و الكرونيكور هو عضو قار في البرامج و في الصحف اليومية يقدم ركنا أو فقرة معينة، وهو ليس بالضرورة صحفيا محترفا أو قدتلقّى تكوينا أكاديميافي علوم الإعلام والاتصال , و قد عرّفه الأستاذ فرج زميط، أستاذ مادّة أخلاقيات المهنة بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، بأنه “معلق على ما يحدث في الفضاء العمومي ولا يجب بالضرورة أن يكون صحفيا محترفا”.  والملاحظ أن أغلب المعلقين البارزين في الفضاءات الحوارية اليوم هم بالأساس محامون أو ممثلون.

وصرح الصحفي و عضو المكتب التنفيذي بنقابة الصحفيين محمد اليوسفي( الذي أعدّ دراسة بعنوان “الكرونيكور في السياق التونسي”) ل “الباساج” أنّ  المشهد الإعلامي شهد طفرة على مستوى حضور الكرونيكورات  في السنوات الثماني الماضية في البرامج الحوارية التي تعنى بالشأن العام  عكس ما كان شائعا قبل 2011. وردّ اليوسفي ذلك إلى هامش الحرية الذي كان محدودا آنذاك واقتصار حضور الكرونيكورات على البرامج الرياضية و المنوعات الترفيهية…

و اعتبر محدّثناأنّ الكرونيكور لا يجب أن يكون بالضرورة من الصحفيين المحترفين، إذ يكفي أن يكون صاحب موهبة وإشعاع جماهيري واسع ليحظى بلقب كرونيكور في إحدى البرامج الترفيهية.

وانتقد اليوسفي تهافت وسائل الاعلام على تشريك من يطلق عليهم صفة المحللين والخبراء في عديد المجالات دون أن يكون للمشاهد علم بتاريخ هذه الشخصيات وخلفياتها التي تقدم تحت يافطة الخبراء دون مقاييس مهنية موضوعية، فعوض أن يبذل المعدون جهدا للبحث عن مختصين في مجالات معينة، كثيرا ما يلتجئون إلى السقوط فيما وصفه اليوسفي بالشعوذة والتسطيح و الشعبوية و التلاعب بأذهان المتلقين.

وهناك صنف آخر من المعلقين عالجه محمد اليوسفي في دراسته وهو الصنف الذي يبحث عن الإثارة، هؤلاء الذين جعلوا من الضجات و “البوز” الإعلاميّ خبزهم اليومي بغاية كسب الجمهور وهذا ما يجعلهم يتحولون الى بضاعة مطلوبة يتهافت عليها أصحاب الوسائل الإعلامية للظفر بها. فقد جعلت هذه الممارسات إمكانية إيجاد معلّق يخضع للقواعد المهنية و للشروط الموضوعية المتعارف عليها أمرا شبه مستحيل، وفق تقدير اليوسفي.

وإنّ اجتياح المدونين للقطاع ليصبحوا فاعلين في صناعة الرأي العام أدّى، حسب قوله، الي مزيد تردي الخطاب الإعلامي.

ضرورة الالتزام بالأخلاقيات

وفي علاقة بمدى التزام هؤلاء “الكرونيكرات” بأخلاقيات العمل الصحفيّ, يرى الأستاذ فرج زميط أن الكرونيكور مجبر أخلاقيا ورمزيا على الالتزام بأخلاقيات المهنة و بأساسيات العمل الصحفي بما أنه فاعل في المشهد الإعلامي التونسي و يساعد في إعداد المحتوى الإعلامي ويتفاعل مع المؤسسة الإعلامية، ومع الصّحفيين العاملين بها و مع الجمهور. ونتيجة لذلك، يتعيّن عليه أن يكون مطّلعا على مواثيق الشرف وكذلك على الخط أو الميثاق التحريري للمؤسسة و أن يتقيّد بهم.

لكن للمتأمل في المشهد الإعلامي أن يلحظ اختلالا للتوازن كمّا وكيفا. إذ أن دور المعلّق أو الضيف القار أصبح أكثر بروزا من دور الصحفيين أنفسهم وأصبحت وسائل الإعلام اليوم تسجّل عديد التجاوزات في حق أخلاقيات المهنة التي يرتكب جلّها بعض المعلقين مما يدفعنا للتساؤل عن مدى التزام هؤلاء بأخلاقيات المهنة وضوابطها.

تجاوزات عديدة نذكر منها حادثة وصف أنصار حزب سياسيّ ب”القطيع” أثناء الانتخابات التشريعية أو التهكّم الذي أبداه أحد المعلّقين حيال مجموعة من النساء بولاية سيدي بوزيد اللواتي نشرن مقطع فيديو إثر أدائهن للواجب الانتخابيّ وكشفن فيه عن تصويتهن لفائدة المترشّح قيسسعيّد  وهنّ على متن “كريطة”.

تصريحات استنكرها عديد المشاهدين و ثلة من المجتمع المدني لما فيها من تقزيم لبعض فئات المجتمع التونسي و إهانة لهم.

فوضى غير خلاقة

من جهته أكّد رئيس نقابة الصحفيين التونسيين  ناجي البغوري من جهته أكد على انفتاح مهنة الإعلام على جميع الميادين. لكنه ألمح إلى تحول الفضاءات الحوارية اليوم إلى وسائل وقوى ضغط سياسي من خلال وجود معلقين حاملين لتوجهات سياسية معينة وهو ما أدّى إلى خلق عدم التوازن و الإخلال بمبدإ تكافؤ الفرص.

والأخطر من ذلك، حسب نقيب الصحفيين،  أنه يوجد اليوم عدد من الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالصحافة و يقتصر دورهم على التهريج و التسطيح بل علاوة على ذلك، يبث البعض منهم خطابات الكراهية والعنف و الإيحاءات الجنسية دون أدنى احترام لحقوق الإنسان أو لذكاء المشاهد التونسي.

هذه “الفوضى غير الخلاقة” حسب تعبيره، تمس بالقيم المدنية و بالحريات الفردية و تكرس ثقافة العنف و هو ما يحيد عن دور الإعلام الفعلي في الارتقاء بالذوق العام و لا يخدم صحافة الجودة.

لكن البغوري أشاد، في السياقذاته، بوجود معلقين مهنيين متشبعين بالقيم و المبادئ الصحفية و ملتزمين بأخلاقيات المهنة.

وإنّ وجود كرونيكورات متشبعين بأخلاقيات المهنة  ليس النقطة الإيجابية الوحيدة التي تضيء المشهد الإعلامي وتدفع المتأمل في هذا القطاع إلى التفاؤل بالمسار التي تتخذه عديد الهياكل للمساهمة في تنظيم القطاع الإعلامي و النهوض به سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة.

فقد قرر فرع المحامين بتونس، برئاسة محمد الهادفي، تفعيل الفصل 23 من مرسوم المحاماة الذي يقضي بمنع المحامين المباشرين من الظهور الإعلامي. وقال الهادفي للباساج بأنّ فرع المحاماة بتونس أبلغ المحامين بأنه يتوجب عليهم الاختيار بين تقديم طلب بالإحالة على عدم المباشرة أو توقيع التزام بعدم الظهور إعلاميا و بأنّ كل مخالف سيحال على مجلس التأديب و على عدم المباشرة وقد تصل العقوبات الى غلق مكاتبهم.

وأوضح بأن القرار يشمل 15 محاميا يعملون مقابل أجر و هو أمر لا يمتثل لمبادئ المحاماة، مشددا على أن مهنة المحاماة منظمة بقانون ومباشرتها تخضع لقواعد وأخلاقيات المهنة تحت مراقبة هياكل المهنة و أن على كل مؤسسة إعلامية في حالة حاجتها لمحام في إحدى برامجها أن تتقدم بمطلب الى فرع المحامين و سيتكفل الفرع بتأمين محام وفق منطق التداول و بصفة منظمة.

و نفى الهادفي ما تم تداوله حول “تصفية الحسابات” و”محاولة تكميم الافواه” بل أكد على أن القرار هو بالأساس بادرة من الفرع لتعديل الأمور وإرجاعها الى نصابها عبر تطبيق القانون.

قرار أكدت النقابة دعمها له نظرا لأن ذلك يمس من نزاهة المنافسة بين المحامين أنفسهم ويؤدي إلى انعدام تكافؤ الفرص عدا كونه يمثل تضارب مصالح و يمكن أن يستغل في خدمة أغراض شخصية و تصفية حسابات، إذ قد يصل الأمر بالبعض حسب ما صرّح به ناجي البغوري إلى المرافعة في وسائل الإعلام و في هذا مسّ بمبدإ المحاكمة العادلة.

و من جهته إستحسن الأستاذفرج زميط هذا القرار معتبرا جمع المحامين بين مهنتين خلطا للأوراق لأن الصحافة بمختلف محاملها بحاجة إلى الخبراء و أصحاب الرأي، كلّ في ميدانه. و لكن أن يدلي المحامي بدلوه في جميع المجالات مهما كانت المسألة و يحلّ محل الكرونيكور “متعدّد الاختصاصات” فهذا أمر من شأنه أن يضرّ بالمشهد الإعلامي و بجودة المحتوى.

و في محاولة للتعرّف على آليات التعديل المعتمدة من قبل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري إزاء إحدى التجاوزات من قبل المعلقين، و مزيد فهم الدور الرقابي تجاههم. اتصلنا بالهيئة للحصول على أجوبة بخصوص هذا الموضوع إلا أنّنا لم نتحصل على تفاعل من الهايكا على الرغم من كثرة الوعود بالردّ على تساؤلاتنا بهذا الخصوص.

لا يمكن لنا إنكار حقيقة أن وجود هيئة تعديلية ساهم كثيرا في تطور مهنة الصحافة في تونس منذ الثورة كما أدّى إلى حصول نوع من الترشيد والنضج  في تناول مسائل مهمة و حرجة كالإرهاب و غيره. لكننا مازلنا نجد نوعا من التشتّت للساحة الإعلامية، إذ اختلط الحابل بالنابل و سيطر المعلقون على جميع المنابر السمعية و البصرية وحتى المكتوبة فأصبحوا أندادا  للصحفيين المحترفين، ينافسونهم في الأجر و في فرص العمل وفي أشياء أخرى…

*Crédit photo: Rochd Elbey

 

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *